للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

هل يجوز لهم التجسس على مشترك في الإنترنت لمعرفة إن كان فاسداً أم لا؟

[السُّؤَالُ]

ـ[شخص مشترك هو ومجموعة من الأشخاص في شبكة للانترنت وهو المسئول عن هذه الشبكة، وقد اتفقوا في البداية على عدم إساءة استخدام الانترنت. وقد وصل إليه من بعض المشتركين معه أن هناك شخصا يستخدم الانترنت فيما يغضب الله، والسؤال هو: هل يجوز له التجسس على جهاز هذا الشخص ليعلم مصداقية ما وصل إليه من أخبار؛ لأنه لو تبين ذلك فسينذره، فإن لم يرتدع فسيطرده من الشبكة، هل يجوز التجسس عليه مع العلم أن الاستخدام سيكون في حدود المطلوب فقط؟ .]ـ

[الْجَوَابُ]

الحمد لله

الأصل في المسلمين البراءة، ولا يجوز للمسلم أن يتتبع عورات الناس لكشفها وفضحها، وقد ورد الوعيد الشديد في التجسس على المسلمين، وتتبع عوراتهم.

قالَ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا) الحجرات/ ١٢.

وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا) .

رواه البخاري (٤٨٤٩) ومسلم (٢٥٦٣) .

التجسس: البحث عن عيوب الناس وعوراتهم.

التحسس: تتبع الأخبار، أو الاستماع لعورات الناس.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:

التجسس: طلب المعايب من الغير، أي: أن الإنسان ينظر، ويتصنت، ويتسمع، لعله يسمع شرًّا من أخيه، أو لعله ينظر سوءاً من أخيه، والذي ينبغي للإنسان أن يُعرض عن معايب الناس، وأن لا يحرص على الاطلاع عليها، ... .

فلا ينبغي للإنسان أن يتجسس، بل يأخذ الناس على ظاهرهم، ما لم يكن هناك قرينة تدل على خلاف ذلك الظاهر.

" تفسير سورة الحجرات " (ص ٥٠، ٥١) .

فيا أخي الفاضل:

لا ينبغي لك فتح باب الشك والريبة والاتهام، ولو فتحتَ الباب على غيرك: فسيصل الشر إليك، ولن تكون بمنأى عن أصحابك الذين تجسست معهم على صاحبك أن يتجسسوا عليك، ومنا أحد إلا وعنده ما يحب من الله أن يستره عليه، فلا تعرِّض نفسك للعقوبة، ولا تفتح على غيرك أبوابا من الشر فتُفتح عليك.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ: لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ: تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ، وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ. رواه الترمذي (٢٠٣٢) .

ويا أخي الفاضل:

هب أنك وقعت قدراً على سوءٍ يفعله أخوك في السرِّ، أتدري ما يجب عليك؟ يجب عليك الستر عليه، وعدم فضحه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ. رواه البخاري (٦٤٣٠) ومسلم (١٦٩١) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

ويؤخذ من قضيته: أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز.

وأن مَن اطلع على ذلك: يستر عليه بما ذكرنا، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة (لو سترته بثوبك لكان خيراً لك) ، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه، فقال: أُحبُّ لمَن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر.

" فتح الباري " (١٢ / ١٢٤، ١٢٥) .

وقد وعدك الله تعالى بالستر عليك في حال فعلت هذا.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه مسلم (٢٥٨٠) .

فإن قويت القرائن حول شخص بعينه أنه يُفسد على الناس دينهم وأخلاقهم، كمن يستدرج النساء أو المردان للفاحشة، أو يُظهر للناس أنه من المستقيمين على الجادة، ويوقعهم في شر أعماله من الاحتيال على أموالهم وأعراضهم: فهنا يمكن لطائفة من أهل الخير والعلم أن تتبع هذا لتبرئه مما ينسب إليه، إن كان بريئا، أو لتستتيبه من فعله، فإن أصرَّ على سوء أفعاله: فلهم فضحه، والشكوى عليه لدى من يأخذ للناس حقهم، على أن تكون القرائن مبنية على أسس، وليست مجرد أوهام وخيالات واتهامات فارغة، ولذا اشترط العلماء أن يكون الإخبار عن ذلك من ثقة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

ويستثنى من النهي عن التجسس: ما لو تعين طريقاً إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا، كأن يخبر ثقةٌ بأنَّ فلانا خلا بشخص ليقتله ظلماً، أو بامرأة ليزني بها: فيشرع في هذه الصورة التجسس، والبحث عن ذلك، حذراً من فوات استدراكه.

" فتح الباري " (١٠ / ٤٨٢) .

قال الإمام النووي – رحمه الله -:

قال إمام الحرمين: ... وليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسس واقتحام الدور بالظنون، بل إن عثَر على منكر غيَّره جهدَه.

وقال أقضى القضاة الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يَظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت: فذلك ضربان:

أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدرك، وكذا لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة: جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار.

الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار: لم يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن.

" شرح النووي " (٢ / ٢٦) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

التجسس لا يجوز، إلا إذا وُجدت قرائن تدل على وجود المنكر، قرائن قوية، ثم لا يجوز أن يتجسس كل واحد؛ لأن هؤلاء الذين على منكر لو خرج واحد منهم ووجد هذا الرجل ربما يقتله.. " انتهى مختصرا.

" لقاءات الباب المفتوح " (٢٣٠ / السؤال ١٢) .

ولمزيد من الفائدة: نرجو النظر في جوابي السؤالين: (١٣٣١٨) و (٢٦٩٦٤) .

والله أعلم

[الْمَصْدَرُ]

الإسلام سؤال وجواب

<<  <  ج: ص:  >  >>