للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال أبو بكر الصولي: قبض علي بن أحمد الراسبي الأمير على الحلاج وأدخله بغداد وغلاما له على جملين مشهورين سنة إحدى وثلاث مائة. وكتب يذكر أن البينة قامت عنده أنه يدعي الربوبية ويقول بالحلول. فأحضره علي بن عيسى الوزير، وأحضر العلماء فناظروه، فأسقط في لفظه، ولم يجده يحسن من القرآن شيئا ولا من غيره. ثم حبس مدة.

قال الصولي: وكان يري الجاهل شيئا من شعبذته، فإذا وثق به دعاه إلى أنه إله، فدعا فيمن دعا أبا سعيد بن نوبخت، فقال له، وكان أقرع: أنبت في مقدم رأسي شعرا. ثم ترقت به الحال، ودافع عنه نصر الحاجب لأنه قيل إنه سني، وإنما تريد قتله الرافضة. قال: وكان في كتبه: إني مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود. وكان حامد بن العباس الوزير قد وجد له كتبا فيها أنه إذا صام الإنسان وواصل ثلاثة أيام وأخذ في اليوم الرابع ورقات هندباء فأفطر عليها أغناه عن صوم رمضان. وإذا صلى في ليلة واحدة ركعتين طول الليل أغنته عن الصلاة ما بقي. وإذا تصدق في يوم بجميع ما يملكه أغناه عن الزكاة. وإذا بنى بيتا وصام أياما وطاف به أغناه عن الحج. فأحضر حامد القضاة وأحضره وقال: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: هذا كتاب السنن للحسن البصري. فقال: ألست تدين بما فيه؟ قال: بلى. هذا كتاب أدين الله بما فيه. فقال له أبو عمر القاضي: هذا فيه نقض شرائع الإسلام. ثم جاراه في الكلام إلى أن قال له أبو عمر: يا حلال الدم، من أي كتاب نقلت هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. قال: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا الكتاب، وليس فيه شيء من هذا. فقال حامد لأبي عمر القاضي: قد أفتيت بأنه حلال الدم، فضع خطك بهذا. فدافع ساعة، فمد حامد يده إلى الدواة وقدمها للقاضي وألح عليه، فكتب بأنه حلال الدم، وكتب الفقهاء والعلماء بذلك خطوطهم، والحلاج يقول: يا قوم، لا يحل لكم إراقة دمي. فبعث حامد بخطوطهم إلى المقتدر، واستأذنه في قتله، فتأخر عنه الجواب، فخاف أن يبدو للمقتدر فيه رأي لما قد استمال من الخواص بزهده وتعبده في الحبس، فنفذ إلى المقتدر أنه قد ذاع كفره وادعاؤه الربوبية، وإن لم يقتل افتتن الناس، وتجرأ قوم على الله تعالى والرسل. فأذن المقتدر في قتله. فطلب حامد صاحب الشرطة محمد بن عبد الصمد، وأمره أن يضربه ألف سوط، فإن مات وإلا يقطع يديه ورجليه.

<<  <  ج: ص:  >  >>