للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين صدَّقُوا الله ورسولَه، وعمِلوا بطاعةِ اللَّهِ، وانتهَوْا إلى أمرِه ونهيِه، إنا لا نُضِيعُ ثوابَ مَن أحسَنَ عملًا، فأطاع اللَّهَ، واتَّبع أمرَه ونهيَه، بل نُجازيه بطاعتِه وعملِه الحسنِ جناتِ عَدْنٍ تَجْرِى من تحتِها الأنهارُ.

فإن قال قائلٌ: وأين خَبَرُ ﴿إِنَّ﴾ الأُولَى؟

قيل: جائزٌ أن يكونَ خبرُها قولَه: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: إنّا لا نُضِيعُ أجرَ مَن عمِل صالحًا. فترَك الكلامَ الأوَّلَ، واعتَمَد على الثاني بنيةِ التكريرِ، كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. بمعنى: عن قتالٍ فيه على التكريرِ، وكما قال الشاعرُ (١):

إِنَّ الخَليفَةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه … سربالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ

ويُرْوَى: تُرْجَى (٢).

وجائزٌ أن يكونَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. جزاءً، فيكون معنى الكلام: إِنَّ من عمل صالحًا فإنَّا لا نُضِيعُ أجرَه. فتُضمَّن (٣) الفاء في قوله: ﴿إِنَّا﴾.

وجائزٌ أن يكونَ خبرُها: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: إِنَّ الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ أولئك لهم جَناتُ عدنٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ


(١) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٢٠/ ٦٧٢.
(٢) في ص، م، ت ١، ف: "ترخي". وينظر معاني القرآن ٢/ ١٤٠.
(٣) في ص، م، ت ١، ف: "فتضمر". وينظر معاني الفراء ٢/ ١٤٠.