للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنى يعقوبُ، عن حَفْصٍ، عن شِمْرٍ، قال: يَجِيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ في صورةِ الرجلِ الشاحبِ، إلى الرجل حينَ يَنْشَقُّ عنه قبرُه، فيقولُ: أَبْشِرْ بكرامةِ اللَّهِ، أَبْشِرْ برضوانِ اللَّهِ. فيقولُ: مِثْلُك مَن يُبَشِّرُ بالخيرِ؟ ومَن أنت؟ فيقولُ: أنا القرآنُ الذي كنتُ أُسْهرُ ليلَك، وأُظْمِئُ نهارك. فيَحْمِلُه على رقبتِه حتى يُوافِىَ به ربَّه، فيَمْثُلُ بينَ يَدَيه فيقولُ: ياربِّ، عبدُك هذا اجْزِه عنى خيرًا، فقد كنتُ أُسْهرُ ليله، وأُظْمِئُ نهارَه، وآمُرُه فَيُطِيعُنى، وأَنْهاهُ فَيُطِيعُنى. فيقولُ الربُّ : فله حُلَّةُ الكرامةِ. فيقولُ: أي ربَّ، زِدْه فإنه أهلُ ذلك. فيقولُ: فله رِضْوانى. قال: ورِضوانُ (١) اللهِ أكبرُ (٢).

وابْتُدِئَ الخبرُ عن رضوانِ اللهِ للمؤمنين والمؤمناتِ أنه أكبرُ مِن كلِّ ما ذَكَر جلّ ثناؤه فرُفِعَ، وإن كان الرِّضْوانُ فيما قد وَعَدهم. ولم يَعْطِفْ به في الإعربِ على "الجناتِ" و "المساكنِ الطيبةِ"، ليُعْلَمَ بذلك تفضيلُ اللَّهِ رضوانَه عن المؤمنين على سائرِ ما قَسَمَ لهم مِن فضلِه وأعْطاهم مِن كرامتِه، نظيرُ قولِ القائلِ في الكلامِ الآخَرِ: أعطيتُك ووصلتُك بكذا، وأكرمتُك، ورِضاى بعد عنك أفضلُ لك (٣).

هذه الأشياءُ التي وعدتُ المؤمنين والمؤمناتِ ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: هو الظُّفَرُ العظيم، والنَّجاءُ الجسيمُ؛ لأنهم ظَفرِوا بكرامةِ الأبدِ، ونَجَوا مِن الهوانِ في سَقَرَ (٤)، فهو الفوزُ العظيمُ الذى لا شيءَ أعظمُ منه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾.


(١) بعده في م: "من".
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٥٧ إلى أبي الشيخ.
(٣) في م: "وذلك".
(٤) في النسخ: "السفر".