للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أنزَل اللهُ عليكم. وإنما كذَّبهم اللهُ بذلك لأن التوراةَ تَنْهَى عن ذلك كلِّه، وتَأْمُر بخلافِه، فأخْبَرهم أنّ تصديقَهم بالتوراةِ إن كان يأْمرُهم بذلك، فبئس الأمْرُ تَأْمرُ به. وإنما ذلك نَفْىٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه عن التوراةِ أن تكونَ تَأْمرُ بشيءٍ مِمَّا يَكْرهُه اللهُ مِن أفعالِهم، وأن يكونَ التصديقُ بها يدلُّ على شيءٍ مِن مخالفةِ أمرِ اللهِ، وإعلامٌ منه جل ثناؤُه أن الذي يَأْمرُهم بذلك أهواؤُهم، والذى يَحْمِلُهم عليه البغىُ والعدوانُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾.

قال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ مما احتجَّ اللهُ به لنبيِّه محمدٍ على اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِه، وفضَح بها أحبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه أمَر نَبيَّه أن يَدْعوَهم إلى قضيةٍ عادلةٍ بينَه وبينَهم، فيما كان بينَه وبينَهم مِن الخلافِ، كما أمَره اللهُ أن يَدْعوَ الفريقَ الآخرَ مِن النَّصارَى -إذ خالفوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلةٍ بينَه وبينَهم مِن المُباهَلَةِ، وقال لفريقِ اليهودِ: إن كنتم مُحِقِّين فتَمنَّوُا الموتَ، فإن ذلك غيرُ ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون مِن الإيمانِ وقُربِ المنزِلةِ مِن اللهِ، بل إن أُعْطيتُم أُمْنِيتَكم مِن الموتِ إذا تمنَّيتم، فإنما تَصِيرون إلى الراحةِ مِن تَعبِ الدنيا ونصبِها وكَدَرِ عَيشِها، والفوزِ بجوارِ اللهِ في جِنانِه، إن كان الأمرُ كما تَزْعُمون، مِن أنّ الدارَ الآخرةَ لكم خالصةٌ دونَنا، وإن لم تُعْطَوْها علِم النَّاسُ أنكم المُبطِلون، ونحن المُحِقُّون في دعوانا، وانْكَشف أمرُنا وأمرُكم لهم. فامْتَنعت اليهودُ مِن إجابةِ النبيِّ إلى ذلك لعلْمِها أنها إن تَمنَّت الموتَ هلَكَت، فذَهَبت دنياها، وصارت إلى خِزْى الأبدِ في آخرتِها، كما امتنع فريقُ النَّصارى الذين جادلوا النَّبيَّ في عيسى، إذ دُعُوا إلى المبُاهلةِ -مِن المباهلةِ، فبلَغنا أن رسولَ اللهِ قال: "لو أن اليهودَ تَمنَّوا الموتَ لماتوا، ولرأَوا