للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

*بغَيْرِ لا عَصْفٍ ولا اصْطِرَافِ (١) *

فجمَع بينَ "غيرِ" و "لا"، توكيدًا للنفى، قالوا: وربما يَجُوزُ أَن يُجْعَلَ "أنْ" مكانَ "كَىْ"، و "كَىْ" مكانَ "أنْ"، في الأماكنِ التي لا يَصْحَبُ جالبَ ذلك ماضٍ مِن الأفعالِ أو غيرُ المستقبلِ. فأما ما صَحِبَه ماضٍ مِن الأفعالِ وغيرُ المستقبلِ، فلا يَجوزُ ذلك. لا يَجُوزُ عندَهم أن يُقالَ: ظَنَنتُ ليَقُومَ. ولا: أظنُّ ليَقُومَ. بمعنى: أظنُّ أن يقُومَ. لأنَّ التي (٢) تدخُلُ مع الظنِّ تكُونُ مع الماضي مِن الفعلِ؛ يقالُ: أظنُّ أن قد قام زيدٌ. ومع المستقبلِ، ومع الأسماءِ.

قال أبو جعفرٍ: وأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ عندى، قولُ مَن قال: إن اللامَ في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بمعنى: يُريدُ اللهُ أَن يُبَينَ لكم. لِمَا ذَكَرتُ مِن علةِ مَن قال أن ذلك كذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾.

يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ يُريدُ أن يُراجعَ بكم طاعتَه والإنابةَ إليه؛ ليَعْفُوَ لكم عما سلَف مِن آثامِكم، ويَتَجاوزَ لكم عما كان منكم في جاهليَّتِكم؛ مِن استحلالِكم ما هو حرامٌ عليكم مِن نكاحِ حلائلِ آبائِكم وأبنائِكم، وغيرِ ذلك مما كنتم تَسْتَحِلُّونه وتَأْتُونه، مما كان غيرَ جائزٍ لكم إتيانُه مِن معاصى اللهِ، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. يقولُ: ويُريدُ الذين يَطْلُبون لذَّاتِ الدنيا وشهواتِ أنفسِهم فيها ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ عن أمرِ اللهِ ، فتَجُوروا عنه بإتيانِكم ما حرَّم


(١) العصف: الكسب. والاصطراف: يصطرف لعياله: أي يكتسب لهم اللسان (ع ص ف)، (ص ر ف).
(٢) أي: لأنَّ "أَنْ" التي .. إلى آخر الكلام.