للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حواءُ. قال لحواءَ: لمَ أطْعَمْتِه؟ قالت: أمَرَتْنى الحيةُ. قال للحيةِ: لمَ أمَرْتِها؟ قالت: أمَرَنى إبليسُ. قال: ملعونٌ مدحورٌ؛ أما أنت يا حواءُ، فكما أدميْتِ (١) الشجرةَ تَدْمَيْن كلَّ شهرٍ، وأما أنت يا حيةُ، فأَقْطَعُ قَوائمَك، فتَمْشِين جرًّا (٢) على وجهِك، وسيَشْدَخُ رأسَك مَن لقِيَك، اهْبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أكَل آدمُ مِن الشجرةِ قيل له: لمَ أكَلْتَ مِن الشجرةِ التي نهَيْتُك عنها؟ قال: حوَّاءُ أمَرَتْنى. قال: فإني قد أعْقَبْتُها ألا تَحْمِلَ إلا كَرْهًا، ولا تَضَعَ إلا كَرْهًا. قال: فرنَّت (٤) حوَّاءُ عندَ ذلك، فقيل لها: الرَّنَّةُ عليك وعلى ولدِك (٥).

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.

وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ عن آدمَ وحواءَ فيما أجاباه به، واعترافِهما على أنفسِهما بالذنبِ، ومسألتِهما إياه المغفرةَ منه والرحمةَ، خلافَ جوابِ اللَّعينِ إبليسَ إياه.

ومعنى قولِه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾. قال آدمُ وحوَّاءُ لربِّهما: يا ربَّنا فعَلْنا بأنفسِنا مِن الإساءةِ إليها بمعصيتِك وخلافِ أمرِك، وبطاعتِنا عدوَّنا وعدوَّك، فيما لم يكنْ لنا أن نُطِيعَه فيه مِن أكلِ الشجرةِ التي نهَيْتَنا عن أكلِها، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: وإن أنت لم تَسْتُرُ علينا ذنبَنا فتُغَطِّيَه علينا، وتَتْرُكَ فَضِيحتَنا به بعقوبتِك إيانا


(١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: "دميت".
(٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ٥٦٨.
(٤) الرنَّة: الصوت، يقال: رنت المرأة ترن رنينًا، وأرنت أيضا: صاحت. الصحاح (ر ن ن).
(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٣٩٤ عن المصنف.