للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دونَ مَن سواه من جميعِ خلقِه، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. يقولُ: وهو أسرعُ مَن حسَب عدَدَكم وأعمالَكم وآجالَكم وغيرَ ذلك مِن أمورِكم أيُّها الناسُ، وأحْصاها وعرَف مقاديرَها ومَبالغَها؛ لأنه لا يَحْسُبُ بعَقْدِ يدٍ، ولكنه يَعْلَمُ ذلك، ولا يَخْفَى عليه منه خافيةٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مِثْقَالُ ذرةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا في كتابٍ مُبينٍ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا (٢) مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه : قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم، الداعِين لك إلى عبادةِ أوثانِهم: مَن الذي يُنَجِّيكم من ظلماتِ البرِّ إذا ضَلَلْتُم فيه فتحَيَّرْتُم، فأَظْلَم عليكم الهُدَى والمَحَجَّةُ، ومِن ظلماتِ البحرِ إذا ركِبْتُموه فأخْطَأْتم فيه المَحَجَّةَ، فأَظْلَم عليكم فيه السبيلُ، [فلم تَهْتَدوا] (٣) له - غيرُ اللهِ الذي إليه (٤) مَفْزَعُكم حينَئذٍ بالدعاءِ، تَضَرُّعًا منكم إليه واسْتِكانةً، جهرًا ﴿وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: وإخفاءً للدعاءِ أحيانًا، وإعلانًا وإظهارًا، تقولون: (لئن أنْجَيْتَنا مِن هذه) يا ربِّ، أي: مِن هذه الظلماتِ التي نحن فيها، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. يقولُ: لَتَكونَنَّ ممَّن يُوَحِّدُك بالشكرِ، ويُخْلِصُ لك العبادة، دونَ مَن كنا نُشْرِكُه معك في عبادتك.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.


(١) تضمين للآية (٢) من سورة "سبأ".
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "أنجيتنا". وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، والمثبت قراءة الكوفيين ينظر حجة القرآات ص ٢٥٥.
(٣) في م: "فلا تهتدون".
(٤) سقط من: م.