للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أى: فى الدنيا، ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. أي: في الدنيا (١).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغني أنه يُؤْذَنُ للمؤمنين يومَ القيامةِ فى السجودِ، بين كلِّ مؤمنَيْنِ منافقٌ، يَسْجُدُ المؤمنون، ولا يَسْتَطِيعُ المنافقُ أن يَسْجُدَ. وأحسَبُه قال: تَقْسُو ظهورهم، ويكونُ سجودُ المؤمنين توبيخًا عليهم، قال: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٢).

القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ : كِلْ يا محمدُ أمرَ هؤلاء المكذِّبين بالقرآنِ إلىَّ. وهذا كقولِ القائلِ لآخرَ غيرِه يتوعَّدُ رجلًا: دَعْنى وإياه. و: خَلِّني وإياه. بمعنى أنه من وراءِ مَسَاءتِه.

و"مَن" فى قولِه: ﴿وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأن معنى الكلامِ ما ذكَرتُ، وهو نظيرُ قولِهم: لو تُرِكْتَ ورَأْيَك ما أَفْلَحتَ. والعربُ تَنْصِبُ "ورأيَك"؛ لأن معنى الكلامِ: لو وَكَلْتُك إلى رأيِك لم تُفْلِحْ.

وقولُه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: سَنَكِيدُهم من حيثُ لا يعلمون، وذلك بأن يُمَتِّعَهم بمتاعِ الدنيا، حتى يَظُنُّوا أنهم مُتِّعوا به بخيرٍ لهم عندَ اللهِ، فيَتَمادَوا فى طغيانِهم، ثم يَأْخُذُهم بغتةً وهم لا يَشْعُرون.

وقولُه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُنسِئُ في آجالِهم مُلاوةً من الزمانِ. وذلك برهة من الدهرِ على كفرِهم وتمرُّدِهم على اللهِ، لتتكامَلَ حُجَجُ اللهِ عليهم، ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. يقولُ: إن كيدى بأهلِ الكفرِ قوىٌّ شديدٌ.


(١) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٢٨٣) من طريق سعيد، عن قتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣١٠ عن معمر به.