للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الصادِ وضمَّه، ولا تفريقٍ منهم بين معنيَى القراءتَين - أَعنى الكسرَ والضمَّ - أوضحُ الدليلِ على صحةِ قولِ القائلين مِن نحويِّى أهلِ البصرةِ في ذلك، ما حكَيْنا عنهم من القولِ، وخطأ قوِل نحويِّى الكوفيِّين؛ لأنهم لو كانوا إنَّما تأوَّلُوا قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. بمعنى: فقَطِّعْهنَّ. على أن أصلَ الكلامِ فاصْرِهنَّ. ثم قُلِبَتْ فقيل: فصِرهنَّ. بكسرِ الصادِ؛ لتحوُّلِ ياءِ "فاصْرِهِنَّ" مكانَ رائِه، وانتقاِل رائِه مكان يائِه لكان لا شكَّ مع معرفتِهم بلُغتِهم، وعلمِهم بمَنْطِقِهم، قد فصَلُوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ صادِه، وبينَه إذا قُرِئَ بضمِّها، إذ كان غيرَ جائزٍ لمن قلَب "فاصْرِهُنَّ" إلى "فَصِرْهنَّ"، أَن يَقْرَأَه "فصُرْهُنَّ" بضمِّ الصادِ، وهم معَ اختلافِ قراءتِهم ذلك كذلك، قد تأوَّلوه تأويلًا واحدًا على أحدِ الوجهَيْن اللذَيْن ذكَرْنا، ففى ذلك أوضحُ الدليلِ على خطأ قولِ من قال: إنّ ذلك إذا قُرِئَ بكسر الصادِ بتأويلِ التقطيعِ، مقلوبٌ مِن: صرَى يَصْرِى. إلى: صارَ يَصِيرُ. وجهلِ مَن زعم أن قول القائلِ: صار يصُورُ، وصار يصِيرُ، غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ بمعْنى: قَطَّعَ.

ذكرُ مَن حضَرَنا قولُه في تأويلِ قولِ اللَّهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. أنه بمعنى: فَقَطِّعْهُنَّ.

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. قال: هي نَبَطِيَّةٌ: فَشَقِّقْهُنَّ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي جَمْرَة (٢)، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآية: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ


(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٤٤) - تفسير، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥١٢ (٢٧١١) من طريق عطاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٣٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب.
(٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: "حمزة".