للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. يقولُ: وأعزُّ عشيرةً ورَهْطًا. كما قال عُيينةُ والأقرعُ لرسولِ اللَّهِ : نحن ساداتُ العربِ وأربابُ الأموالِ، فنَحِّ عنا سلمانَ وخَبَّابًا وصُهيبًا. احتقارًا لهم، وتكبُّرًا عليهم (١).

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: وتلك واللَّهِ أمنيةُ (٢) الفاجرِ؛ كثرةُ المالِ، وعزَّةُ النفرِ (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي جعَلنا له جنتين من أعنابٍ ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، وهى بستانُه، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. وظلمُه نفسَه كفرُه بالبعثِ، وشكُّه في قيامِ الساعةِ، ونسيانُه المعادَ إلى الله تعالى، فأوجَب لها بذلك سُخْطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِه.

وقوله: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: قال لما عايَنَ جنتَه، ورآها وما فيها من الأشجارِ والثمارِ والزروعِ والأنهارِ المُطَّرِدَةِ، شكًّا في المعادِ إلى اللَّهِ: ما أظنُّ أن تَبِيدَ هذه الجنةُ أبدًا، ولا تفنَى ولا تَخْرَبَ. وما أظنُّ الساعةَ التي وعَد اللَّهُ خلْقَه الحشرَ فيها تقومُ فتَحدُثُ. ثم تمنَّى أُمنيةً أخرى على شكٍّ منه، فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ فرجَعتُ إليه - وهو غيرُ موقنٍ أنه راجعٌ إليه: ﴿لأَجِدَنَّ


(١) تقدم في ٩/ ٢٥٨ - ٢٦٣ ص ٢٣٩ - ٢٤١ من هذا الجزء.
(٢) في ص، ف: "أمنة".
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٥/ ١٥٣.