للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد يُتَوجَّهُ لقراءتِه كذلك وَجْهٌ غيرُ هذا. وذلك أن يكونَ أرادَ بقراءتِه ذلك كذلك: أنهم لا أمانَ لهم: أي لا تُؤْمِنوهم، ولكن اقتُلُوهم حيثُ وجَدْتُموهم، كأنه أرادَ المصدرَ مِن قولِ القائلِ: آمِنْتُه، فأنا أو مِنُه إيمانًا.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك الذي لا أستَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، قراءةُ مَن قرَأه بفَتْحِ الألفِ دونَ كسرها (١)؛ لإجماع الحجَّةِ مِن القرأةِ على القراءة به، ورَفْضِ خلافِه، ولإجماع أهلِ التأويلِ على ما ذكَرتُ مِن أن تأويلَه لا عهدَ لهم، والأيمان التي هي بمعنى العهدِ، لا تكونُ إلا بفَتْح الألفِ؛ لأنها جمعُ يمينٍ كانت على عَقْدٍ كان بينَ المُتوادِعِين.

القول في تأويل قولِه: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهادِ أعدائِهم مِن المشركين: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقَضوا العهدَ الذي بينَكم وبينَهم، وطعَنوا في دينِكم، وظاهَروا عليكم أعداءَكم، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مِن بين أظْهُرِهم فأخْرَجوه، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالقتال، يعنى: فِعْلَهم ذلك يومَ بَدْرٍ. وقيل: قتالهم حلفاءَ رسولِ اللهِ مِن خُزاعةَ، ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾. يقولُ: أَتَخافونهم على أنفسِكم (٢)، فتَتْرُكوا قتالَهم خَوْفًا على أنفسكم منهم، ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾. يقولُ: فاللَّهُ أَوْلَى بكم أن تخافوا عُقوبته بتَرْكِكم جهادَهم، وتَحْذَروا سَخَطَه عليكم، مِن هؤلاء المشركين،


(١) القراءتان كلتاهما صواب.
(٢) في م: "أنفسهم".