للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأما قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. فإنه يعنى: فمن تجاوز حدَّ اللهِ الذي حدَّه له، بعدَ ابتلائِه بتحريمِ الصيدِ عليه وهو حرامٌ، فاستحلَّ ما حرَّم اللهُ عليه منه، بأخذِه وقتلِه، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ﴾ من اللهِ ﴿أَلِيمٌ﴾. يعنى: مؤلِمٌ مُوجِعٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الذين (١) صدَّقوا الله ورسولَه ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ الذي بينتُ لكم، وهو صيدُ البرِّ دونَ صيدِ البحرِ، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. يقولُ: وأنتم مُحْرِمون بحجٍّ أو عمرةٍ.

والحُرُمُ جمعُ حَرامٍ، والذكرُ والأنثى فيه بلفظٍ واحدٍ، يقالُ (٢): هذا رجلٌ حَرَامٌ، وهذه امرأةٌ حَرَامٌ. فإذا قيل: مُحْرِمٌ. قيل للمرأةِ: مُحْرِمةٌ. والإحرامُ هو الدخولُ فيه، يقالُ: أَحْرَم القومُ. إذا دخَلوا في الشهرِ الحرامِ (٣)، أو في الحَرَمِ.

فتأويلُ الكلامِ: لا تقتُلوا الصيدَ وأنتم مُحْرِمون بحجٍّ أو عمرةٍ.

وقولُه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. فإن هذا إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه حكمَ القاتلِ من المُحْرِمين الصيدَ الذي نهاه عن قتلِه متعمِّدًا.

ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ العَمْدِ الذي أَوْجَب اللهُ على صاحبِه به الكفارةَ والجزاءَ في قتلِه الصيدَ؛ فقال بعضُهم: هو العمدُ لقتلِ الصيدِ، مع نسيانِ قاتِله إحرامَه في حالِ قتلِه. وقال: إنْ قتَله وهو ذاكرٌ إحرامَه، متعمِّدًا قتلَه، فلا حكمَ عليه، وأمرُه إلى اللهِ. قالوا: وهذا أجلُّ أمرًا من أن يُحْكَمَ عليه أو يكونَ له كفَّارةٌ.


(١) بعده في س: "آمنوا".
(٢) في م: "تقول".
(٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "وفي الحرم".