للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ابن جريجٍ عن ابن عباسٍ يَدُلان على أنهما كانا يقرأان: (وهُوَ شَدِيدُ المحَالِ) بفتح الميمِ؛ لأن الحيلةَ لا يأتى مصدرُها مِحالًا بكسرِ الميمِ، ولكن قد يأتى على تقديرِ المَفْعَلةِ منها، فيكونُ مَحالةً، ومن ذلك قولُهم: المرءُ يَعْجِزُ لا مَحالةَ. والمَحالةُ في هذا الموضعِ المفْعَلةُ من الحيلةِ. فأما بكسرِ الميمِ، فلا تكونُ إلا مصدرًا من: ماحَلتُ فلانًا أُماحِلُه مِحالًا. والمماحلةُ بعيدةُ المعنى مِن الحيلةِ، ولا أعلمُ أحدًا قرَأه بفتحِ الميمِ.

فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ ذلك ما قلنا مِن القولِ.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ (١) مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ مِن خلقِه الدعوةُ الحقُّ. والدعوةُ هي الحقُّ، كما أُضِيفت الدارُ إلى الآخرةِ في قولِه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى (٢). وإنما عنَى بالدعوةِ الحقِّ توحيدَ اللَّهِ، وشهادةَ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ.

وبنحوِ الذي قلنا تأوَّله أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٣).


(١) في ت ٢، س: "تدعون" وهذه قراءة اليزيدى عن أبي عمرو بن العلاء. ينظر البحر المحيط ٥/ ٣٧٦.
(٢) ينظر ما تقدم في ٣٨١، ٣٨٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٣٤، والطبرانى في الدعاء (١٥٨٠)، والبيهقى في الأسماء =