للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ : أفأنت تُسْمِعُ مَن قد سَلَبَه اللَّهُ استماعَ حُجَجه التي احتجَّ بها في هذا الكتابِ، وأصَمَّه عنه، أو تَهْدِى إلى طريقِ الهُدى مَن أعمَى الله قلبَه عن إبصاره، واستحوَذ عليه الشيطانُ فزَيَّن له الرَّدَى، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: أو تَهْدِى مَن كان في جَوْرٍ عن قَصْدِ السبيلِ، سالِكَ غيرِ سبيلِ الحقِّ، قد أبانَ ضلالُه أنه عن الحقِّ زائلٌ، وعن قصدِ السبيلِ جائزٌ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إلى اللَّهِ الذي بيدِه صرفُ قلوبِ خلقِه كيف شاء، وإنما أنت مُنذِرٌ، فبَلِّغْهم النِّذارةَ.

وقوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّين بهذا الوعيدِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أهلُ الإسلامِ من أُمة نبيِّنا محمدٍ .

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. قال: لقد كانت بعدَ نبيِّ اللَّهِ نِقْمةٌ شديدةٌ، فأكرَم اللَّهَ نبيَّه أن يُرِيَه في أمتِه ما كان مِن النقمة بعدَهُ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: فذهَب الله بنَبِيِّه ، ولم يُره في أمتِه إلا الذي تَقَرُّ به عينُه، وأبقَى اللَّهُ النقمةَ بعدَه، وليس مِن نبيٍّ إلا وقد رأى في أمتِه العقوبةَ - أو قال: ما لا يَشْتَهِي - ذُكِر لنا أن النبيَّ أُرِىَ الذي لَقِيتُ أُمتُه من بعدِه، فما زال لا منقبضًا، ما استبسَط ضاحكًا حتى لَقِى اللَّهَ .

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تَلا قتادةَ: ﴿فَإِمَّا


(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨ إلى المصنف وابن المنذر.