للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وبقولِ خَنْساءَ (١):

القومُ أعلمُ أَن جَفْنَتَهُ … تَغْدُو غَداةَ الريحِ أو تَسْرِي (٢)

وهذا الذي قاله قائلُ هذا التأويلِ، وإن كان جائزًا في كلامِ العربِ، فليس قولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ منه، وذلك أنه عطَف عليه بقولِه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فأبان بدخولِ الباءِ في "المهتدين"، أن أعلم ليس بمعنى "يَعْلَمُ"؛ لأن ذلك إذا كان بمعنى"يَفْعَلُ"، لم يُوصَلْ بالباءِ، كما لا يُقالُ: هو يَعْلَمُ بزيدٍ. بمعنى: يَعْلَمُ زيدًا.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ، وعبادِه المؤمنين به وبآياِته: فكُلُوا أيُّها المؤمنون مما ذكَّيْتُم مِن ذبائِحِكم، وذبَحْتُموه الذبحَ الذي بيَّنْتُ لكم أنه تَحِلُّ به الذَّبيحةُ لكم، وذلك ماذبَحه المؤمنون بي مِن أهلِ دينِكم، دينِ الحقِّ، أو ذبَحه مَن دان بتوحيدي مِن أهل الكتابِ، دونَ ما ذبحه أهلُ الأوثانِ ومَن لا كتابَ له مِن المَجُوسِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم بحُججِ اللهِ التي أتَتْكم وأعلامِه، بإحلالِ ما أحْلَلْتُ لكم، وتحريمِ ما حرَّمْتُ عليكم مِن المَطاعمِ والمآكلِ - مُصَدِّقين، ودَعُوا عنكم زُخْرُفَ ما تُوحِيه الشياطينُ بعضُها إلى بعضٍ مِن زُخرفِ القولِ لكم، وتَلْبيسِ دينِكم عليكم غُرورًا.

وكان عطاءٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَكُلُوا


(١) أنيس الجلساء شرح ديوان الخنساء ص ٥٢.
(٢) تغدو: أي تأتيهم غدوة، وتسري: أي تأتيهم ليلًا، والمعنى أن كرمه يشمل قومه ليلًا ونهارًا.