للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الشديدُ في انْتقامِه مِمَّن كفَر به، وأشْرَك معه غيره، وكَذَّب رُسُلَه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تابَ مِن ضلالتِه، ورجَع إلى الإيمانِ به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه؛ أن يُعَذِّبَه بعدَ التوبةِ.

وقولُه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، اختلفَتِ القرأةِ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بسكونِ اللامِ (١). وقرَأه بعضُ المدنيين وعامةُ الكوفيِّين: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتحِ اللامِ (٢).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إنهما قِراءتان مشهورتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، صَحيحتا المعنى، وذلك أن اللَّهَ أَحْكَم خَلْقَه، وأحْكَم كلِّ شيءٍ خَلَقَه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وأَتْقَن كلَّ شيءٍ وأحْكَمه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ إبراهيمَ إشْكابُ (٣)، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحَسَنةٍ، ولكنه (٤) أحكَم خَلْقَها (٥).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيدٍ المؤدِّبُ، عن


(١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ٥٦٧.
(٢) هي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٢١٦.
(٣) في ص، ت ١: "شكاب"، وفى ت ٢: "سكاف". ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٠.
(٤) في م: "لكن".
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٧٢ إلى ابن أبي حاتم.