للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾. قال: هم المشركون خرَجوا إلى بدرٍ أَشَرًا وبَطَرًا (١).

حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: لما خرَجَت قريشٌ مِن مكةَ إلى بدرٍ، خرَجوا بالقِيانِ والدفوف، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢).

فتأويلُ الكلامِ إذن: ولا تكونوا أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه في العملِ بالرياءِ والسُّمعةِ، وتركِ إخلاصِ العملِ للهِ واحْتِسابِ الأجرِ فيه كالجيش مِن أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه الذين خرَجوا مِن منازِلهم بطَرًا ومُراءاة الناسِ بزِيِّهم وأموالِهم وكثرةِ عددِهم، وشدةِ بِطانتِهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَمْنَعون الناسَ مِن دينِ اللهِ والدخولِ في الإسلامِ بقتالِهم إياهم، وتعذيبِهم مِن قدَرُوا عليه مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ مِن الرياءِ، والصدِّ عن سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِهم، ﴿مُحِيطٌ﴾. يقولُ: عالمٌ بجميعِ ذلك، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، وذلك أن الأشياءَ كلَّها له مُتَجَلِّيةٌ، لا يَعْزُبُ عنه منها شيءٌ، فهو لهم بها مُعاقِبٌ، وعليها معذِّبٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ


(١) ذكر نحوه ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩٠ إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦.