للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فإن قال لنا قائلٌ: وهل كانت لهما ذنوبٌ فاحتاجا إلى مسألةِ ربِّهما التوبةَ؟

قيل: إنه لا أحدَ مِن خلقِ اللهِ إلَّا وله مِن العملِ فيما بينه وبين ربِّه ما يَجِبُ عليه الإنابةُ منه والتوبةُ، فجائزٌ أن يكونَ ما كان مِن قيلِهما (١) ما قالا مِن ذلك (٢)، إنما خصَّا به الحالَ التى كانا عليها مِن رفْعِ قواعدِ البيتِ؛ لأنَّ ذلك كان أحْرَى الأماكنِ أن يستجيبَ اللهُ فيها دعاءَهما، وليَجْعَلا ما فعَلا مِن ذلك سُنَّةً يُقْتَدَى بها بعدَهما، وتَتَّخِذَ الناسُ تلك البقعةَ بعدَهما موضعَ تنَصُّلٍ مِن الذُّنُوبِ إلى اللهِ. وجائزٌ أن يكونا عَنَيا بقولِهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: وتُبْ على الظَّلَمةِ مِن أولادِنا وذُرِّيَّتِنا، الذين أعلَمْتَنا أمرَهم مِن ظلمِهم وشِركِهم، حتى يُنِيبوا إلى طاعتِك. فيكونُ ظاهرُ الكلامِ على الدعاءِ لأنفسِهما، والمعنيُّ به ذُرِّيَّتُهما، كما يقالُ: أكرَمنى فلانٌ في ولدى وأهلي، وبرَّنى فلانٌ، إذا برَّ ولدَه.

وأمَّا قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعنى به: إنك أنت العائدُ على عبادِك بالفضلِ، والمُتَفضِّلُ عليهم بالعفوِ والغفرانِ، الرحيمُ بهم، المستنقذُ مَن تشاءُ منهم برحمتِك مِن هَلكتِه، المُنجِى مَن تُرِيدُ نجاتَه منهم برأفتِك مِن سَخَطِك.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.

وهذه دعوةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ صلواتُ اللهِ عليهما لنبيِّنا محمدٍ خاصَّةً، وهى الدعوةُ التى كان نبيُّنا يقولُ: "أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى".

حَدَّثَنَا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثورِ بنِ


(١) في م: "قبلهما".
(٢) بعده في م: "و".