للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والإفسادُ في الأرضِ العملُ فيها بما نهَى اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - عنه، وتضييعُ ما أمرَ اللَّهُ بحفظِه، فذلك جملةُ الإفسادِ، كما قال جلَّ ثَناؤُه في كتابهِ مُخبرًا عن قِيلِ ملائكتِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] يَعْنُون بذلك: أتجعلُ في الأرضِ من يعصِيك ويُخالفُ أمرَك؟ فكذلك صفةُ أهلِ النفاقِ؛ مفسدون في الأرضِ بمعصيَتِهم فيها ربَّهم، ورُكوبِهم فيها ما نهاهم عن رُكوبِه، وتضييعِهم فرائضَه، وشكِّهم في دينِ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ من أحدٍ عملًا إلا بالتصديقِ به، والإيقانِ بحقيقتِه، وكذِبِهم المؤمنين بدَعْواهم غيرَ ما هم عليه مقيمون من الشكِّ والرَّيبِ، ومُظاهرتِهم أهلَ التكذيب باللَّهِ وكتبِه ورسلِه على أولياءِ اللَّهِ إذا وجَدوا إلى ذلك سبيلًا. فذلك (١) إفسادُ المنافقين في [أرضِ اللَّهِ] (٢)، وهم يَحْسَبون أنهم بفعلِهم ذلك مُصلحونَ فيها، فلم يُسْقِطِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه عنهم عقوبتَه، ولا خفَّف عنهم أليمَ ما أعدَّ من عقابِه لأهلِ معصيتِه، بحُسْبانِهم أنهم فيما أَتوْا من معاصي اللَّهِ مُصلحونَ، بل أوْجب لهم الدَّرْكَ الأسفلَ من نارِه، والأليمَ من عذابِه، والعارَ العاجلَ بسَبِّ اللَّهِ إيَّاهم وشَتْمِه لهم، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وذلك من حُكمِ اللَّهِ فيهم أدلُّ الدليلِ على تكذيبِه جلّ ثناؤه قولَ القائلين: إن عقوباتِ اللَّهِ لا يَسْتَحِقُّها إلَّا المعاندُ ربَّه فيما لزِمه من حقوقِه وفروضِه، بعد علمِه وثُبوتِ الحُجَّةِ عليه بمعرفتِه بلزومِ ذلك إيَّاه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾.

وتأويلُ ذلك كالذي قاله ابنُ عباس، الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ


(١) في ص: "وكذلك"، وفي ر: "فكذلك".
(٢) في ص: "الأرض".