للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقولُه: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾. يعني بالحكمةِ البالغةِ هذا القرآنَ. ورُفِعَت "الحكمةُ" ردًّا على ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾.

وتأويلُ الكلامِ: ولقد جاءهم مِن الأنباءِ النبأُ الذي فيه مُزْدَجَرٌ، حكمةٌ بالغةٌ.

ولو رُفِعَت الحكمةُ على الاستئنافِ كان جائزًا، فيكونُ معنى الكلامِ حينَئِذٍ: ولقد جاءهم من الأنباءِ النبأُ الذي فيه مزدجرٌ، ذلك حكمةٌ بالغةٌ. أو هو حكمةٌ بالغةٌ. فتكونُ و"الحكمةُ" كالتفسيرِ [لـ ﴿مَا﴾] (١).

وقولُه: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. وفي "ما" التي في قولِه: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. وجهان؛ أحدُهما، أن تكونَ بمعنى الجَحْدِ، فيكونَ - إذا وُجِّهتْ إلى ذلك - معنى الكلامِ: فليست تُغْنِي عنهم النُّذُرُ، ولا يَنْتَفِعون بها؛ لإعراضِهم عنها وتكذيبِهم بها. والآخَرُ، أن تكونَ بمعنى: أنَّى. فيكون معنى الكلامِ إِذا وُجِّهَت إلى ذلك: فأيَّ شيءٍ تُغْنِي عنهم النُّذُرُ.

والنُّذُرُ جمعُ نَذِيرٍ، كما الجُدُدُ جمعُ جديدٍ، والحُصُرُ جمعُ حَصِيرٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا (٢) أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾.

قال أبو جعفرٍ : يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأعْرِضْ يا محمدُ عن هؤلاء المشركين مِن قومِك، الذين إن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضوا ويقولوا: سحرٌ مستمرٌّ. فإنهم يومَ يَدْعو الداعي (٣)؛ داعي اللَّهِ إلى موقِف القيامةِ، وذلك هو


(١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "لها".
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "خاشعا"، وهي قراءة كما سيأتي.
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.