للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قولِه: ﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. وذلك أن رسولَ اللهِ ما أمَر الناسَ أن يَنْبعِثوا غازِين معه، فجاءته عصابةٌ مِن أصحابِه، فيهم عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ المُزَنيُّ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، احْمِلْنا. فقال لهم رسولُ اللهِ : "واللهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عليه". فتَوَلَّوا ولهم بكاءٌ، وعَزَّ (١) عليهم أن يَجْلِسوا عن الجهادِ، ولا يَجِدون نفقةً ولا مَحْمَلًا. فلما رأى اللهُ حِرْصَهم على محبَّتِه ومحبَّةِ رسولِه، أنزَل عُذْرَهم في كتابِه، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا سبيلَ أيضًا على النَّفَرِ الذين إذا ما جاءُوكَ لتَحْمِلَهم، يَسْأَلونك الحُمْلانَ؛ ليَبْلُغوا إلى مَغْزاهم الجهادِ أعداءِ اللهِ معك، يا محمدُ، قلتَ لهم: لا أجِدُ حَمُولةً أحمِلُكم عليها، ﴿تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: أَدْبَروا عنك، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾: وهم يَبْكُون مِن حُزْنٍ على أنهم لا يَجِدون ما يُنْفِقون، وَيَتَحَمَّلون به للجهادِ في سبيلِ اللهِ.

وذَكَر بعضُهم أن هذه الآيةَ نَزَلَت فِي نَفَرٍ مِن مُزَيْنَةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك


(١) في ص، ف: "عزيز".
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٦٧ إلى المصنف وابن مردويه، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٣٨.