للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ذلك معنى دونَ معنًى؛ فالحقُّ فيه أن يُقالَ: قد أمر الله نبيه أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دونَ بعض.

وأما قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. فإنه أمر من الله تعالى نبيه أن يُعرِضَ عمن جَهِل، وذلك وإن كان أمرًا مِن الله نبيَّه، فإنّه تأديبٌ منه عزّ ذكره لخلقه باحتمالِ من ظلمَهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جَهل الواجب عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجَهل وحدانيَّتِه وهو للمسلمين حَرْبٌ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال: أخلاقٌ أمَر الله بها نبيه ودلَّه عليها (١).

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾.

يعني جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: وإِمَّا يُغضبنَّك من الشيطانِ غَضَبْ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: فاستجِرْ باللَّهِ من نَزْغِه. ﴿إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، يقولُ: إِنَّ الله الذي تستعيذُ به من نَزْغِ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نَزْغِه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيءٌ، عليمٌ بما يُذْهِبُ عنكَ نَزْغَ الشَّيطانِ، وغير ذلك من أمورِ خلقه.


(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ٥٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٥٤ إلى المصنف وعبد بن حميد.