للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يكونَ نزولهُا كان بسببِ دعاءِ عمرَ في أمرِ الخمرِ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان بسبب ما نال سعدًا مِن الأنصاريِّ، عند انتشائِهما من الشرابِ، وجائزٌ أن يكونَ كان مِن أجلِ ما كان يَلْحَقُ أحدَهم عندَ ذَهَابِ مالِه بالقِمارِ، مِن عداوةِ مَن يَسَرَه (١) وبُغْضِه. وليس عندَنا بأيِّ ذلك كان خبرٌ قاطعٌ للعُذْرِ. غيَر أنه أيُّ ذلك كان، فقد لَزِمَ حكمُ الآيةِ جميعَ أهلِ التكليفِ، وغيرُ ضائرِهم الجهلُ بالسببِ الذي له نزَلت هذه الآيةُ، فالخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِن عملِ الشيطانِ، فَرْضٌ على جميعِ من بَلَغَتْه الآيةُ مِن التكليفِ اجتنابُ جميعِ ذلك، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، في اجتنابِكم ذلك واتباعِكم أمرَه فيما أمرَكم به، مِن الانزجارِ عما زجَركم عنه مِن هذه المعاني التي بيَّنها لكم في هذه الآيةِ وغيرِها، وخالِفوا الشيطانَ في أمرِه إياكم بمعصيةِ اللهِ في ذلك وفى غيرِه، فإنه إنما يَبْغِى لكم العداوةَ والبغضاءَ بينَكم بالخمرِ والميسرِ، ﴿وَاحْذَرُوا﴾. يقولُ: واتقوا الله وراقِبوه أن يراكم عندَ ما نهاكم عنه مِن هذه الأمورِ التي حرَّمها عليكم في هذه الآيةِ، وغيرِها، أو يَفْقِدَكم عندَ ما أمرَكم به، فتُوبِقوا أنفسَكم وتُهْلِكوها. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: فإن أنتم لم تَعْمَلُوا بما أمرْناكم به، وتَنْتَهوا عما نهيناكم عنه، ورجَعتم مُدْيرين عما أنتم عليه مِن الإيمانِ والتصديقِ باللهِ وبرسولِه، واتباعِ ما جاءكم به نبيُّكم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.


(١) يسره: غلبه في الميسر.