للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يُكَذِّبونك مِن هؤلاء الكفار يا محمدُ، فيَحْزُنُك تكذيبُهم إياك، لو أشاءُ أن أَجْمَعَهم على استقامةٍ مِن الدِّينِ، وصوابٍ مِن مَحَجَّةِ الإسلامِ، حتى تكونَ كلمةُ جَمْعِكم (١) واحدةً، وملتُكم وملتهم واحدةً، لجَمعْتُهم على ذلك، ولم يكنْ بعيدًا (٢) عليَّ؛ لأنى القادرُ على ذلك بلُطْفى، ولكنى لم أفَعَلْ ذلك لسابقِ علمي في خَلْقِي، ونافذِ قَضائى فيهم، مِن قبلِ أن أَخْلُقَهم، وأُصَوِّرَ أجسامَهم، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمدُ ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: فلا تَكُونَنَّ مُمَّن لا يَعْلَمُ أن الله لو شاء لَجَمع على الهُدىَ جميعَ خلقِه بلُطْفِه، وأن مَن يَكْفُرُ به مِن خَلْقِه، إنما يَكْفُرُ به لسابقِ علمِ اللهِ فيه، ونافذِ قَضائِه بأنه كائنٌ مِن الكافرين به اختيارًا لا اضطرارًا، فإنك إذا علِمْتَ صحةَ ذلك لم يَكْبُرْ عليك إعراضُ مَن أَعْرَضَ مِن المشركين عما تَدْعُوه إليه مِن الحقِّ، وتكذيبُ مَن كذَّبك منهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس: يقولُ اللهُ سبحانَه: لو شئتُ جَمَعْتُهم على الهُدَى أجمعين (٣).

وفي هذا الخبر مِن اللهِ تعالى الدلالةُ الواضحةُ على خطأَ ما قال أهلُ التَّفويضِ مِن القَدَريةِ، المنكرون أن يَكونَ عندَ اللهِ لطائف لمن شاء توفيقَه مِن خلقِه، يَلْطُفُ


(١) في م: "جميعكم".
(٢) سقط مِن: ص ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) من تمام الأثر المتقدم في ص ٢٢٦، وهذا اللفظ ليس عند ابن أبي حاتم في الموضعين، ولكن أخرجه في ٤/ ١٢٨٤ (٧٢٥٠) من طريق أبي صالح به بلفظ آخر.