للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دونَ كُلِّ مَن سواه، يَبْسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ، فيوسِّعُه عليه، ويَقدِرُ ذلك على مَن يشاءُ من عبادِه فيضيقُه، وأن ذلك من حُججِ الله على عبادِه؛ ليعتبِروا به ويتذكَّروا، فيعلَموا أن الرغبةَ إليه والرهبةَ دونَ الآلهةِ والأندادِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: إن في بسطِ اللهِ الرزقَ لمَن يشاءُ، وتقتيرِه على مَن أراد، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يعني: دلالاتٍ وعلاماتٍ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يعني: يصدِّقون بالحقِّ، فيُقرُّون به إذا تبيَّنوه وعلِموا حقيقتَه، أن الذي يفعلُ ذلك هو اللهُ دونَ كلِّ ما (١) سواه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها قومٌ من أهلِ الشركِ، قالوا لما دُعوا إلى الإيمانِ باللهِ: كيف نؤمنُ وقد أشرَكنا وزنَينا، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، واللهُ يعِدُ فاعلَ ذلك النارَ، فما ينفعُنا مع ما قد سلَف منا الإيمانُ؟! فنزَلت هذه الآيةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: وذلك أن أهلَ مكةَ قالوا: يزعمُ محمدٌ أنه مَن عبَد الأوثانَ، ودعَا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وقتَل النفسَ التي حرَّم اللهُ، لم يُغفَرْ له، فكيف نهاجرُ ونُسلِمُ، وقد عبَدنا الآلهةَ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، ونحنُ أهلُ الشركِ؟! فأنزَلَ اللهُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا تيأَسوا من رحمتي،


(١) في ت ١: "من".