للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فإن قال لنا (١) قائلٌ: وكيف قال اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فأضاف الإيمانَ إلى الأحياءِ المخاطَبين، والقومُ المخاطَبون بذلك إنما كانوا أشفَقُوا على إخوانِهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ، وفى ذلك من أمرِهم أُنزلت هذه الآيةُ؟

قيل: إن القومَ وإن كانوا قد (١) أشفَقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفِقين من حُبوطِ ثوابِ صلاتِهم التى صلَّوْها إلى بيتِ المقدسِ قبلَ التحْويلِ إلى الكعبةِ، وظنُّوا أن عملَهم ذلك قد بطَل وذهَب ضياعًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ حينَئذٍ، فوجَّه الخطابَ بها إلى الأحياءِ ودخَل فيهم الموتَى منهم؛ لأن من شأنِ العربِ إذا اجتَمع فى الخبرِ المخاطَبُ والغائبُ، أن يُغَلِّبوا المخاطَبَ، فيُدْخلوا (٢) الغائبَ في الخطابِ، فيقولُوا لرجلٍ خاطَبوه على وجهِ الخبرِ عنه، وعن آخرَ غائبٍ غيرِ حاضرٍ: فعلْنا بكما وصنعْنا بكما. كهيئةِ خِطابِهم لهما وهما حاضِران، ولا يَسْتجِيزون أن يقولوا: فعلْنا بهما. وهم يُخاطِبون أحدَهما، فردُّوا (٣) المخاطَبَ إلى عدادِ الغائبِ (٤).

القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثثاؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.

ومعنى قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أن اللهَ بجميعِ عبادِه ذُو رأفةٍ. والرأفةُ على معانى الرحمةِ، وهى عامةٌ لجميعِ الخلقِ فى الدنيا ولبعضِهم فى الآخرةِ، وأمّا الرحيمُ، فإنه ذُو الرحمةِ للمؤمنين فى الدنيا والآخرةِ على ما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ (٥).


(١) سقط من: م.
(٢) فى م: "فيدخل".
(٣) فى م: "فيردوا".
(٤) فى م: "الغيب". وهما بمعنى. وينظر ص ١٨٨.
(٥) ينظر ما تقدم فى ١/ ١٢٤ - ١٣٤.