للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قال: الشِّقاقُ المنازعةُ والمحاربةُ، إذا شاقَّ فقد حارَبَ، وإذا حارَبَ فقد شاقَّ، وهما واحدٌ فى كلامِ العربِ. وقرَأ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥].

وأصلُ الشِّقاقِ عندنا، واللهُ أعلمُ، مأخوذٌ من قولِ القائلِ: شقَّ عليَّ (١) هذا الأمرُ، إذا كَرَثَه (٢) وآذاه. ثم قيل: شاقَّ فلانٌ فلانًا. بمعنى: نال كلَّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه ما كَرَثَه وآذاه وأَثقلَتْه مَساءتُه، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]. بمعنى: فِراقَ بينِهما.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾.

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾: فسيَكْفِيك اللهُ يا محمدُ هؤلاءِ الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾. من اليهودِ والنصارَى، إن هم تَوَلَّوْا عن أن يُؤمِنوا مثلَ (٣) إيمانِ أصحابِك باللهِ، وبما أُنزِل إليك، وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ وسائرِ الأنبياءِ غيرِهم، وفَرَّقوا بين اللهِ ورسلِه، إما بقتلٍ بالسيفِ، وإما بجَلاءٍ عن جِوارِك، وغيرِ ذلك من العقوباتِ، فإن اللهَ هو السميعُ لما يقولون لك بألسنتِهم، ويُبْدُون لك بأفواهِهم من الجهلِ والدعاءِ إلى الكفرِ والمِللِ الضالّةِ، العليمُ بما يَنْطُوون (٤) لك ولأصحابِك من المؤمنين عليه (٥) في أنفسِهم من الحسَدِ والبغضاءِ، ففعَل اللهُ بهم ذلك عاجلًا، وأَنجزَ وَعْدَه، فكفاهم (٦) نبيَّه بتسليطِه إياه عليهم حتى قَتَل بعضَهم، وأَجلَى بعضًا، وأَذلَّ بعضًا وأَخزاه بالجِزْيةِ والصَّغارِ.


(١) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "عليه".
(٢) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "كربه"، وكرثه الأمر يَكْرِثه ساءه واشتد عليه وبلغ منه المشقة. اللسان (كرث).
(٣) في م، ت ٢: "بمثل".
(٤) في م: "يبطنون"، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: "ينطرون".
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٦) في م، ت ٢: "فكفى".