للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد ذكَرْنا القول في تأويلِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. فيما مضَى، فلا حاجةَ بنا إلى إعادتِه، إذ كان معناه في هذا الموضعِ هو معناه في ذلك الموضعِ.

وقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ سالمٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. قال: آدمُ وحوَّاءُ والحيّةُ وإبليسُ (١).

القولُ في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.

وتأويلُ قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: فإن يأْتِكم، و"ما" التى مع "إن" توكيدٌ للكلامِ، ولدخولِها مع "إن" أُدخِلَت النونُ المشُدَّدةُ في ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ تفرقةً بدخولِها بينَ "ما" التى تَأْتى بمعنى توكيدِ الكلامِ -التى تُسَمِّيها أهلُ العربيةِ صِلةً وحَشْوًا- وبين "ما" التى تأتى بمعنى "الذى"، فتُؤْذِنُ بدخولِها في الفعلِ أنَّ "ما" التى مع "إن" التى بمعنى الجزاءِ توكيدٌ، وليست "ما" التى بمعنى "الذى".

وقد قال بعضُ نحوِيِّى [أهلِ البصرةِ] (٢): إنَّ "إمَّا": "إنْ"، زِيدَت معها "ما"، وصار الفعلُ الذى بعدَه بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلةِ، وقد يَكونُ بغيرِ نونٍ، وإنما حسُنَت فيه النونُ لمَّا دخَلَته "ما"؛ لأن "ما" نفىٌ، وهى مما ليس بواجبٍ، وهى الحرفُ الذى يَنْفِى الواجبَ، فحسُنَت فيه النونُ، نحوَ قولهم: بعينٍ ما أَرَيَنْكَ. حينَ أُدْخِلَت فيها "ما" حسُنَت النونُ فيما ههنا.

وقد أنْكَر جماعةٌ مِن أهلِ العربيةِ دعوى قائلِ (٣) هذه المقالةِ أن "ما" التى مع:


(١) تقدم في ص ٥٧٢ من طريق آخر عن إسماعيل.
(٢) في م: "البصريين".
(٣) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "قائلى".