للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بقولِهما، على ما روَينا عنهم، وإن كان سائرُ الأقوالِ الأُخَرِ متقاربةَ المعنى مِن معنى ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ في ذلك، وذلك أن معنى قولِه: ﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ على الهُدَى وكتابِ اللهِ وفرائضِه وشرائِع دينِه، بالعدلِ والطاعةِ، وغير ذلك مِن أسبابِ الخيرُ مِن اللَّهِ صفةِ أهل الاستقامةِ على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِ اللهِ . ونظيرُ ذلك الخبرُ الذى رواه النعمانُ بنُ بشيرٍ عن النبيِّ أنه قال: "مثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها كمثَلِ قومٍ ركِبوا سفينةً" (١). ثم ضرَب لهم مثلًا، فالقائمُ على حدودِ اللهِ هو الثابتُ على التمسكِ بما أمرَه اللهُ به واجتنابِ ما نهاه اللَّهُ عنه.

فتأويلُ الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ جماعةٌ معتصمةٌ بكتابِ اللَّهِ مُتَمسكةٌ به، ثابتةٌ على العملِ بما فيه وبما (٢) سنَّ لهم (٣) رسولُه .

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾.

يعنى بقولِه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾: يَقْرَءون كتابَ اللَّهِ آناءَ الليلِ. ويَعْنى بقولِه: ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ .. ما أنزَل اللهُ فى كتابِه مِن العبَرِ والمواعظِ. يقولُ: يَتْلُون ذلك آناءَ الليلِ (٤) فيتدبرونه ويَتَفَكَّرون فيه.

وأمّا ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾. فساعاتُ الليلِ، واحدُها إنيٌ، كما قال الشاعرُ (٥):

حُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدْح مرَّتُه … في (٦) كلِّ إِنِّي حَذَاه (٧) الليلُ يَنْتَعِلُ (٨)


(١) أخرجه الحميدي (٩١٩)، وأحمد ٣٠/ ٣١ (١٨٣٦١)، والبخاري (٢٤٩٣، ٢٦٨٦)، والترمذى (٢١٧٣).
(٢) سقط مِن: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: "ما".
(٣) فى النسخ: "له". والمثبت ما يقتضيه السياق
(٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "يقول في ساعات الليل".
(٥) هو المتنخل الهذلي، والبيت فى ديوان الهذليين ٢/ ٣٥.
(٦) في الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "من".
(٧) فى م: "قضاه".
(٨) كعطف القدح: يريد: طُوِى كما يطوى القدح. ومرتُه: فَتْلته. ينتعل: يسرى في كل ساحة من الليل =