للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عملِ "حتى" عنه، وذلك كقولِ القائلِ: قُمْتُ إلى فلانٍ حتى أضربُه. فالرفعُ هو الكلامُ الصحيحُ في "أضربُه"، إذا أراد: قُمْتُ إليه حتى ضَربتُه. إذا كان الضربُ قد كان وفُرِغَ منه، وكان القيامُ غيرَ مُتَطاولِ المُدةِ. فأما إذا كان ما قبلَ "حتى" مِن الفعلِ على لفظِ "فعَل" متَطاولَ المُدةِ، وما بعدَها مِن الفعلِ على لفظٍ غيرِ مُنْقَضٍ، فالصحيحُ مِن الكلامِ نَصْبُ "يفعل" وإعمالُ "حتى"، وذلك نحوُ قولِ القائلِ: ما زال فلانٌ يَطْلُبُك حتى يُكَلِّمَك، وجعَل يَنظُرُ إليك حتى يُثْبتَك. فالصحيحُ (١) مِن الكلامِ الذي لا يَصِحُّ غيرُه النَّصْبُ بـ "حتى"، كما قال الشاعرُ (٢):

مَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ … وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ

فنَصَب "تَكِلَّ" والفعلُ الذي بعد "حتى" ماضٍ، لأن الذي قبلَها مِن المَطْوِ مُتَطاوِلٌ.

والصحيحُ مِن القراءةِ (٣) -إذ كان ذلك كذلك-: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾. بنَصْبِ (٤) ﴿يَقُولَ﴾، إذ كانت الزَّلزلةُ فِعلًا مُتطاوِلًا، مِثْلَ المَطْوِ بالإبلِ، وإنما الزَّلزلةُ في هذا الوضعِ الخوفُ مِن العدوِّ، لا زلزلةُ الأرضِ، فلذلك كانت مُتطاولةً، وكان إلنصبُ في ﴿يَقُولَ﴾، وإن كان بمعنى "فعل"، أفْصَحَ وأصحَّ مِن الرفعِ فيه.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ


(١) في الأصل: "فالفصيح".
(٢) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ٩٣.
(٣) والقراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما.
(٤) في م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "نصب".