للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: رغِبت اليهودُ والنصارَى عن ملةِ إبراهيمَ وابْتَدَعوا اليهوديةَ والنصرانيةَ وليستْ مِن اللهِ، وترَكوا ملةَ إبراهيمَ الإسلامَ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.

يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: إلَّا مَن سفِهت نفسُه. وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن معنى السفَهِ الجهلُ (٢). فمعنى الكلامِ: وما يَرْغَبُ عن ملةِ إبراهيمَ الحنيفيَّةِ إلَّا سفيهٌ جاهلٌ بموضعِ حظِّ نفسِه فيما يَنْفَعُها ويَضُرُّها في مَعَادِها.

كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: إلَّا مَن أخطأ حظَّه (٣).

وإنما نصَب "النفسَ" على معنى المفسِّرِ؛ وذلك أن "السفَهَ" في الأصلِ للنفسِ، فلمَّا نُقِل إلى "مَن" نُصِبت "النفسُ" بمعنى التفسيرِ (٤)، كما يقالُ: هو أوسعُكم دارًا. فتدخلُ الدارُ في الكلامِ على أن السّعةَ فيها لا في الرجلِ، فكذلك النفسُ، أُدْخِلت لأن السفهَ للنفسِ لا لـ "مَن"، ولذلك لم يَجُزْ أن يقالَ: نفسَه (٥) سَفِه أخوك. وإنما جاز أن يُفَسَّرَ بالنفْسِ وهى مضافةٌ إلى معْرفةٍ؛ لأنها في تأويلِ نكرةٍ.


(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٣٨ (١٢٧٠) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية من قوله.
(٢) ينظر ما تقدم فى ١/ ٣٠٢.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٣٩ إلى المصنف.
(٤) يريد بالتفسير هنا التمييز. مصطحات النحو الكوفى ص ٢٩.
(٥) سقط من: م.