للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.

وقد قال محمدُ بنُ إسحاقَ في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: كان فرعونُ يُعَذِّبُ بني إسرائيلَ، فيَجْعَلُهم خَدَمًا وخَوَلًا (١)، وصنَّفهم في أعمالِه (٢)؛ فصِنفٌ يَبْنون، وصِنْفٌ يَزْرَعون له، فهم في أعمالِه، ومَن لم يَكُنْ منهم في صَنْعةٍ له مِن عملِه، فعليه الجزيةُ، فسامَهم كما قال اللهُ ﷿: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٣).

وقال السُّدِّىُّ: جعَلهم في الأعمالِ القَذِرةِ، وجعَل يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويستحيى نساءَهم. حدَّثنى بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.

فأضاف اللهُ جل ثناؤُه ما كان مِن فعلِ آلِ فرعونَ ببنى إسرائيلَ مِن سَوْمِهم إياهم سُوءَ العذابِ، وذَبْحِهم أبناءَهم، واسْتِحْيائِهم نساءَهم، إليهم دونَ فرعونَ -وإن كان فعلُهم ما فعَلوا مِن ذلك كان بقوةِ فرعونَ وعن أمرِه- لمباشرتِهم ذلك بأنفسِهم، فبيِّنٌ بذلك أن كلَّ مباشرٍ قتْلَ نفسٍ أو تعذيبَ حىٍّ بنفسِه، وإن كان عن أمْرِ غيرِه، ففاعلُه المُتَولِّى ذلك هو المستحقُّ إضافةَ ذلك إليه، وإن كان الآمِرُ قاهرًا الفاعلَ المأمورَ بذلك- سلطانًا كان الآمرُ، أو لِصًّا حاربًا (٥)، أو مُتَغَلِّبًا فاجرًا -كما أضاف جل ثناؤُه تذبيحَ أبناءِ بني إسرائيلَ واستحياءَ نسائِهم إلى آلِ فرعونَ دون فرعونَ، وإن كانوا بقوةِ فرعونَ وأمرِه إياهم بذلك فعَلوا ما فعَلوا، مع غلبتِه إياهم


(١) الخَوَل: حشم الرجل وأتباعه، ويقع على العبد والأمة. ينظر النهاية ٢/ ٨٨.
(٢) في الأصل: "أعمالهم".
(٣) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ٣٨٧. وتقدم أوله في ص ٦٤٢.
(٤) سيأتي مطولا في ص ٦٤٩.
(٥) في م: "خاربا". والحارب: المُشلِّح، وهو قاطع الطريق. ينظر اللسان (ح ر ب، ش ل ح).