للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فآيَسَهم اللهُ جل ذكرُه مما كانوا أطْمَعوا فيه أنفسَهم مِن النجاةِ مِن عذابِ اللهِ -مع تكذيبهم بما عرَفوا مِن الحقِّ، وخلافِهم أمرَ اللهِ تعالى ذكرُه في اتباعِ محمدٍ ، وما جاءهم به مِن عندِه- بشفاعةِ آبائِهم وغيرِهم مِن الناسِ كلِّهم، وأخْبَرَهم أنه غيرُ نافعِهم عندَه إلَّا التوبةُ إليه مِن كفرِهم، والإنابةُ مِن ضَلالِهم، وجعَل ما سنَّ فيهم مِن ذلك إمامًا لكلِّ مَن كان على مِثل منهاجِهم؛ لئلا يَطْمَعَ ذوو الإلحادِ في رحمةِ اللهِ.

قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ وإن كان مَخْرَجُها عامًّا في التِّلاوةِ، فإن المرادَ بها خاصٌّ في التأويلِ؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ أنه قال: "شَفَاعَتى لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِى" (١). وأنه قال: "ليس مِن نَبِيٍّ إِلَّا وقد أُعْطِىَ دَعْوَةً، وإنِّى اخْتَبَأْتُ دَعْوَتى شَفاعَةً لأُمَّتي، وهى نائِلَةٌ منهم من لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا" (٢). فقد تبَيَّن بذلك أنَّ اللهَ جل ثناؤُه قد يَصْفَحُ لعبادِه المؤمنين بشفاعةِ نبيِّنا محمدٍ لهم عن كثيرٍ مِن عُقوبةِ إجْرامِهم بينَهم وبينَه، وأن قولَه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. إنما هي لمن مات على كفرِه غيرَ تائبٍ إلى اللهِ ﷿. وليس هذا مِن مَواضِعِ الإطالةِ في القولِ في الشَّفاعةِ والوَعْدِ والوَعيدِ فَنَسْتَقْصِىَ الحِجاجَ في ذلك، وسنَأْتى على ما فيه الكفايةُ في مَواضِعِه إن شاء اللهُ تعالى.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.

قال أبو جعفرٍ: و"العَدْلُ" في كلامِ العربِ -بفتحِ العينِ- الفِدْيةُ.


(١) أخرجه الطيالسى (٢١٣٨)، وأحمد ٢٠/ ٤٣٩ (١٣٢٢٢)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذى (٢٤٣٥)، وغيرهم من حديث أنس.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٤، ٧٤٧٤)، ومسلم (١٩٨، ١٩٩) من حديث أبى هريرة بنحوه.