للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذه الآيةُ أيضًا احتجاجٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه على اليهودِ والنصارَى الذين ذكَر اللهُ قَصَصَهم، يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ : قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ اليهودِ والنصارَى: أتُحاجُّوننا في اللهِ، وتزعُمون أن دينَكم أفضلُ من دينِنا، وأنَّكم على هُدًى ونحن على ضَلالةٍ ببُرْهانٍ من اللهِ تعالى ذكرُه فتَدْعُوننا إلى دينِكم؟ فهاتُوا برهانَكم على ذلك فنَتبِعَكم عليه. أم تقولون: إنّ إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارَى على دينِكم؟ فهاتوا على دَعْواكم ما ادَّعيْتم من ذلك بُرْهانًا فنُصَدِّقَكم، فإن اللهَ قد جعَلَهم أئمةً يُقْتَدَى بهم، ثم قال تعالى ذكرُه لنبيه : قل لهم يا محمدُ إن ادَّعَوا أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هُودًا أو نَصارَى: أأنتم أَعْلمُ بهم وبما كانوا عليه من الأديانِ أم اللهُ؟

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾.

يعنى جل ثناؤُه بذلك: فإن زعَمَتْ يا محمدُ اليهودُ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هُودًا أو نصارَى، فمن أظلمُ منهم؟! يقولُ: وأيُّ امرِئٍ أظلمُ منهم وقد كَتَموا شهادةً عندَهم من اللهِ بأن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكَتَموا ذلك ونحَلُوهم اليهوديةَ والنصرانيةَ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فحدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: في قولِ يهودَ لإبراهيمَ وإسماعيلَ ومَن ذُكِر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فيقولُ اللهُ: لا تَكْتُموا منى شهادةً إن كانت عندَكم فيهم. وقد عَلِم أنهم كاذبون (١).


(١) تفسير مجاهد ص ٢١٥، وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور ١/ ١٤١ إلى عبد بن حميد.