للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

غيرِ شيءٍ، ولم يكنْ من قبلِ إنْشَائِه إيَّاه ﴿شَيْئًا﴾ فيَعْتَبِرَ بذلك ويَعْلَمَ أن مَن أنْشَأَه مِن غيرِ شيءٍ لا يَعْجِرُ عن إحيائِه بعدَ مماتِه وإيجادِه بعدَ فنائِه.

وقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾. بتخفيفِ الذالِ (١). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ والحجازِ: (أوَلا يَذَّكَّرُ الإِنسانُ). بتشديدِ الذالِ والكافِ (٢)، بمعنى: أو لا يتذكَّرُ. والتَّشديدُ أعجبُ إليَّ وإن كانت الأخرى جائزةً؛ لأن معنى ذلك: أوَ لا يتفكَّرُ فيعْتَبِرَ؟

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه : فوربِّك يا محمدُ لنَحشُرَنَّ هؤلاءِ القائلين: أئذا مِتْنا لَسوف نُخرَجُ أحياءً يومَ القيامةِ من قبورِهم، مُقَرَّنين بأوليائِهم من الشياطينِ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ والجثِيُّ جمعُ الجاثى.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. يعني: القعودَ، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (٣) [الجاثية: ٢٨].

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾.


(١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٤١٠.
(٢) وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ٢٤٦ عن العوفى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٢٧٩ إلى ابن أبي حاتم.