للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأولى هذه الأقوال بالحقِّ في معنى "السَّكِينَةِ"، ما قاله عطاءُ بن أبى رباحٍ، من الشئِ تَسْكُنُ إليه النُّفوسُ من الآياتِ التي تَعرِفونها، وذلك أن السَّكينةَ في كلامِ العربِ الفَعِيلةُ من قولِ القائلِ: سَكَن فلانٌ إلى كذا وكذا. إذا اطمأنَّ إليه وهَدَأت عندَه نَفْسُه، فهو يسكُنُ سُكُونًا وسَكِينةً، مثل قولك: عَزَم فلانٌ على هذا الأمرِ عَزْمًا وعزيمةً، وقضَى الحاكمُ بين القوم قضاءً وقضيَّةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (١):

للهِ قَبْرٌ غالَها ماذا يُجِنُّ؟ … لقد أجَنَّ سَكِينةً ووَقارَا

وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفتُ، فجائزٌ أن يكون ذلك على ما قاله عليُّ بنُ أبى طالبٍ على ما رَوَينا عنه، وجائزٌ أن يكونَ ذلك على ما قاله مجاهدٌ على ما حَكَينا عنه، وجائزٌ أن يكون ما قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وما قاله السُّدِّيُّ؛ لأن كلَّ ذلك آياتٌ كافياتٌ تَسْكُنُ إليهنَّ النُّفوسُ، وتَثْلَجُ بهنَّ الصدورُ، وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفنا، فقد اتَّضَح أن الآيةَ التي كانت في التابوتِ التي كانت النفوسُ تَسكُنُ إليها لمعرفتِها بصِحَّةِ أمْرِها إنما هي مُسَمَّاةٌ بالفعلِ وهى غيرُه، لدَلالة الكلام عليه.

القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.

يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ (٢): الشئُ الباقى، من قولِ القائلِ: قد بقِى من هذا الأمر بَقِيَّةٌ. وهى فَعِيلةٌ منه، نظيرُ السَّكِينَةِ مِن "سَكَن".

وقولُه: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. يعني به: مِن تَرِكَةِ آلِ موسى وآلِ هارونَ.


(١) أنشده ابن برى لأبى عُرَيف الكُلَيبى. اللسان (س ك ن).
(٢) بعده في ص، ت ١، ت ٣: "وبقية".