للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اللهُ أَيُّها الناسُ أن يَجْهرَ أحدٌ لأحدٍ بالسوءِ من القولِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بمعنى: إِلَّا مَن ظُلِمَ فلا حرجَ عليه أن يُخْبِرَ بما أُسِيءَ إليه. وإذا كان ذلك معناه دخَل فيه إخبارُ مَن لم يُقْرَ أو أُسِيء قِراه، [أو نيلَ بظلمٍ في نفسِه أو مالِه، غيرَه] (١) من سائرِ الناسِ، وكذلك دعاؤُه على مَن نالَه بظلمٍ أن يَنْصُرَه اللهُ عليه؛ لأن في دعائِه عليه إعلامًا (٢) منه لمَن سمِع دُعاءَه عليه بالسوءِ له.

فإذا كان ذلك كذلك، فـ"من" في موضعِ نصبٍ؛ لأنه مُنْقطِعٌ عما قبلَه، وأنه لا أسماءَ قبلَه يُسْتَثْنَى منها، فهو نظيرُ قولِه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣].

وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. فإنه يعنى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾: لما تَجْهَرون (٣) به من سوءِ القولِ لمَن تَجْهَرون له به، وغيرِ ذلك مِن أصواتِكم وكلامِكم، ﴿عَلِيمًا﴾: بما تُخْفون مِن سوءِ قولِكم وكلامِكم لمَن تُخْفُون له به فلا تَجْهَرون به له، مُحْصٍ كلَّ ذلك عليكم حتى يُجازِيَكم على ذلك كلِّه جزاءَكم (٤) المسيءَ بإساءتِه والمحسنَ بإحسانِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾.

قال أبو جعفرِ محمدُ بنُ جريرٍ، : ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيُّها الناسُ ﴿خَيْرًا﴾. يقولُ: إن تَقولوا جميلًا مِن القولِ لمَن أحْسَن إليكم، فتُظْهِروا ذلك


(١) في الأصل: "وقيل بظلم فى نفسه أو ماله أو غيره". وفى م: "أوقيل بظلم في نفسه أو ماله عنوة" وقوله: "غيره" مفعول للمصدر "إخبار".
(٢) في الأصل: "إعلانًا".
(٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "يجهرون".
(٤) في الأصل: "جزاء".