للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾؛ فقرَأتْه قرأةُ الأمصارِ سوى أبى جعفرٍ المدنيِّ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾. بفتحِ التاءِ من ﴿تَذْهَبْ﴾ و ﴿نَفْسُكَ﴾ برفعها. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (فَلَا تُذْهِبْ) بضمِّ التاءِ من (تُذهب)، و (نَفْسَكَ) بنصبها، بمعنى: لا تُذهب أنت يا محمدُ نفسك (١).

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يا محمدُ ذو علمٍ بما يصنعُ هؤلاءِ الذين زيَّن لهم الشيطانُ سوءَ أعمالِهم، وهو مُحصِيه عليهم، ومجازيهم به جزاءهم.

القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾.

قال أبو جعفرٍ : يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ [سَحَابًا﴾. يقولُ: فتنشِيء سحابًا] (٢) للحَيا (٣) والغيثِ، ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. يقولُ: فسُقْناه إلى بلدٍ [مُجْدِبة الأرضِ، مُخْلَى الأهلِ (٤)، دائرٍ لا نبتَ فيه ولا زرعَ، ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يقولُ: فأخصَبْنا بغَيثِ ذلك السحابِ الأرضَ، التي سُقْناه إليها بعدَ جُدُوبها، وأنبَتْنا فيها الزرعَ بعدَ المَحْلِ، ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا يُنشِرُ الله الموتى بعد بِلائِهم في قبورِهم،


(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٦٧، والنشر ٢/ ٢٦٣، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٢٢.
(٢) في م، ت ١: "السحاب".
(٣) الحيا: الخصب. اللسان (ح ى ى).
(٤) في م، ت ١: "مجدب الأهل محل الأرض".