للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فهذه الأمةُ المُقْتَصِدةُ الذين لا هم فسقوا (١) في الدِّينِ، ولا هم غلَوْا. قال: والغُلُوُّ الرغبة، والفسقُ التقصيرُ عنه (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾.

وهذا أمْرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا بإبلاغ هؤلاء اليهودِ والنصارى مِن أهلِ الكتابَيْن الذين قصَّ اللهُ تعالى ذكرُه قصصَهم في هذه السورةِ، وذكَر فيها مَعايبَهم، وخُبْثَ أدْيانِهم، واجْتِراءَهم على ربِّهم، وتوَثُّبَهم (٣) على أنبيائِهم، وتبديلَهم كتابَه، وتَحْريفَهم إياه، ورَداءةَ مطاعمِهم ومآكلِهم - وسائرِ المشركين غيرِهم، ما أَنْزَل عليه فيهم من مَعايبِهم، والإزْراءِ عليهم، والتقصيرِ بهم، والتَّهْجينِ (٤) لهم، وما أمَرَهم به، ونهاهم عنه، وألا يُشْعِرَ نفسَه حذرًا منهم أن [يُصِيبوه في نفسِه بمكروهٍ] (٥)، ما قام فيهم بأمرِ اللهِ، ولا جَزَعًا من كثرةِ عددِهم، وقلةِ عددِ مَن معه، وألا يَتَّقِيَ أحدًا في ذاتِ اللهِ، فإن الله تعالى ذكرُه كافيه كلَّ أحدٍ من خلقِه، ودافعٌ عنه مَكْروهَ كلِّ مَن يَبْغِى (٦) مَكروهَه. وأَعْلَمه تعالى ذكرُه أنه إن قصَّر عن إبلاغِ شيءٍ مما أنْزِل إليه (٧) إليهم، فهو في تركِه تبليغَ ذلك، وإن قلَّ ما لم يُبَلِّغْ منه، فهو في عظيمِ ما ركِب بذلك مِن الذَّنبِ، بمنزلتِه لو لم يُبَلِّغْ مِن تنزيلِه


(١) في ص، س: "حقوا"، ولعل صوابها: جفوا.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٩٧ إلى المصنف وأبى الشيخ، وينظر ما تقدم في ٧/ ٧٠١.
(٣) في س: "فريتهم".
(٤) في ص، ت ١: "التهجير".
(٥) في م: "يصيبه في نفسه مكروه".
(٦) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: "يتقى"، وفى ت ١: "يبقى". والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٧) في ت ١، س: "الله".