للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

على السائرين في الصَّيِّبِ الذي وَصَف جلَّ ذكرُه، وذلك للمنافِقِين مَثَلٌ. ومعنى إظلامِ ذلك أن المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلامِ ما يُعْجِبُهم في دنياهم - عندَ ابتلاءِ اللهِ مؤمِني عبادِه بالضَّرَّاءِ، وتَمْحيصِه إياهم بالشدائدِ والبلاءِ، مِن إخفاقِهم في مَغْزاهم، [أو إدالةِ] (١) عدوِّهم منهم، أو إدبارٍ مِن دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقِهم، وثبَتوا على ضَلالتِهم، كما قام السائرون في الصَّيِّبِ الذي وصَف جل ذكرُه إذا أظلَم (٢) وخبَتَ (٣) ضَوْءُ البرقِ، فحار في طريقِه فلم يَعْرِفْ مَنهجَه.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.

قال أبو جعفرٍ: وإنَّما خَصَّ اللهُ جلَّ ذِكرهُ السمعَ والأبصارَ بأنَّه لو شاء أذهَبَها مِن المنافقين دونَ سائرِ أعضاءِ أجسامِهم - لِلذي جرَى مِن ذكرِها في الآيَتْين، أعْني قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾. وقوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ فجرَى ذكرُها في الآيتَيْنِ على وجهِ المثَلِ. ثم عقَّب جلّ ثناؤُه ذكرَ ذلك بأنه لو شاء أذْهَبه مِن المنافِقِين، عقوبةً لهم على نفاقِهم وكفرِهم، وعيداً مِن اللهِ لهم، كما توَعَّدهم في الآيةِ التي قبلَها بقولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ واصفاً بذلك جلّ ذكرُه نفسَه أنه المُقْتَدِرُ عليهم وعلى جمعِهم (٤)، لإحْلالِ سُخْطِه بهم، وإنزالِ نِقْمتِه عليهم، ومُحَذِّرَهم بذلك سَطْوتَه، ومُخَوِّفَهم (٥) عقوبتَه، ليَتَّقُوا بأسَه، ويُسارِعوا إليه بالتوبةِ.

كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ


(١) في ص: "وإدالة"، وفي م: "وإنالة". والإدالة: الغلبة. اللسان (د و ل).
(٢) بعده في الأصل: "عليهم".
(٣) في ص: "خف"، وفي ر، م: "خفت"، وخبت وخفت بمعنى.
(٤) في الأصل، ص: "جميعهم".
(٥) بعده في ص، ر، م، ت ١، ت ٢: "به".