للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بمَن كان منه في أمانٍ وعهدٍ بينَه وبينَه أن يَغْدِرَ به، فيُحارِبَه قبلَ إعلامِه إياه أنه له حربٌ، وأنه قد فاسَخه العقدَ.

فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ نقضُ العهدِ بخوفِ الخيانةِ، والخوفُ ظنٌّ لا يقينٌ؟

قيل: إن الأمرَ بخلافِ ما إليه ذهبْتَ، وإنما معناه: إذا ظهَرَت أمارُ (١) الخيانةِ مِن عدوِّكِ، وخِفْتَ وقوعَهم بك، فألْقِ إليهم مقاليدَ السَّلْمِ، وآذِنْهم بالحربِ، وذلك كالذي كان مِن بنى قُريظةَ، إذ أجابوا أبا سفيانَ ومَن معه مِن المشركين إلى مظاهرتِهم على رسولِ اللَّهِ ، ومحاربتِهم معه بعدَ العهدِ الذي كانوا عاهَدوا رسولَ اللَّهِ على المُسالَمةِ، ولن يُقاتِلوا رسولَ اللَّهِ ، فكانت إجابتُهم إياه إلى اللَّهِ ذلك مُوجِبًا لرسولِ اللَّهِ خوفَ الغدرِ به وبأصحابِه منهم، فكذلك حكمُ كلَّ قومٍ أهلِ مُوادَعةٍ للمؤمنين، ظهَر لإمامِ المسلمين منهم مِن دلائلِ الغدرِ مثلُ الذي ظهَر لرسولِ اللَّهِ وأصحابِه مِن قريظةَ منها، فحقٌّ على إمامِ المسلمين أن يَنْبِذَ إليهم على سَواءٍ، ويُؤْذِنَهم بالحربِ.

ومعنى قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾. أي: حتى يَسْتَوى علمُك وعلمُهم بأن كلَّ فريقٍ منكم حربٌ لصاحبِه لا سِلْمٌ.

وقيل: نزَلَت الآيةُ في قريظةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. قال: قريظةَ (٢).


(١) في ت ١، م، س، ف: "آثار".
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٥٧، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٢١ من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٩١ إلى ابن المنذر.