للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به وبرسولِه: وجاهِدوا أيُّها المؤمنون أعدائِى وأعداءَكم في سبيلى. يَعنِي: في دينِه وشريعتِه التي شَرَعها لعبادِه، وهي الإسلامُ. يقولُ: أَتْعِبوا أَنفسَكم في قتالِهم وحَملِهم على الدخولِ في الحنيفيَّة المسلمة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: كيما تُنْجِحوا فَتُدرِكوا البقاءَ الدائمَ، والخلودَ في جنانِه.

وقد دَلَّلنا على معنى "الفلاح" فيما مضَى بشواهِده، بما أَغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾.

يقول عزَّ ذكْرُه: إن الذين جحدوا ربوبيةَ ربِّهم، وعبَدوا غيرَه، من بنى إسرائيلَ الذين عَبَدوا العجلَ، ومِن غيرِهم الذين عبَدوا الأوثانَ والأصنامَ، وهَلَكوا على ذلك قبلَ التوبةِ، لو أن لهم مُلْكَ ما في الأرضِ كلِّها وضِعفه معه لِيَفْتَدوا به من عقابِ اللهِ إياهم على [تركِهم أمرَه] (٢)، وعبادتِهم غيرَه يومَ القيامةِ، فافْتَدَوْا بذلك كلِّه - ما تَقَبَّل اللهُ منهم ذلك فداءً وعوضًا مِن عذابِهم وعقابِهم، بل هو مُعَذِّبُهم في حميمِ يومِ القيامةِ عذابًا موجِعًا لهم.

وإنما هذا إعلامٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ، أنهم وغيرَهم من سائرِ المشركين به سواءٌ عنده فيما لهم مِن العذابِ الأَليمِ، والعقابِ العظيمِ، وذلك أنهم كانوا يَقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا


(١) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٥٦ وما بعدها.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "أمرهم".