للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعضُ الكفارِ دونَ بعضٍ. وقد عمَّ الله جلَّ ثناؤه الخبرَ عنهم جميعِهم، وإذا دخل جميعُهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالةٌ آمنوا فيها ثم ارْتَدُّوا كافرين بعد إلا حالةً واحدةً كان معلومًا أنها المرادُ بذلك.

فتأويل الآيةِ إذن: أولئك لهم عذابٌ عظيم في يومٍ تَبْيَضُّ وجوهُ قومٍ (١)، وتسودُّ وجوُه آخرين؛ فأما الذين اسوَدَّت وجوهُهم فيقالُ: أجحَدتم توحيدَ الله وعهده وميثاقَه الذي واثقْتُمُوه عليه، بألَّا تشرِكوا به شيئًا، وتُخلصوا له العبادةَ ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. يعنى: بعد تصديقكم به، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم تَجْحَدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقَكم بالإقرار به والتصديقِ.

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ممن ثبت على عهدِ اللهِ وميثاقه، فلم يُبَدِّلْ دينَه، ولم يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادةِ لربِّه بالأُلوهة، وأنه لا إله غيرُه، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. يَقُولُ: فهمْ في رحمةِ اللَّهِ. يعني: في جنتِه ونعيمِها، وما أعدَّ اللهُ لأهلها فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غايةٍ.

القول في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾.

يعنى بقوله (٢) جل ثناؤه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه آياتُ اللَّهِ.

وقد بيَّنَّا كيف وضعت العربُ "تلك" و"ذلك" مكان "هذا" و"هذه" في غير هذا الموضع فيما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادته (٣).


(١) سقط من: ص، ت ١، س.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "بذلك".
(٣) ينظر ما تقدم في ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.