للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السماءِ، بِإِدْرارِ الغَيْثِ - الذي يُخْرِجُ به أقْواتَكم مِن الأرضِ، وغِذاءً أَنْعامِكم - عليكم، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: وما يَتَذَكَّرُ حُجَجَ اللهِ التي جعلها أدِلَّةً على وَحْدانيَّتِه، فيَعْتَبِرَ بها ويَتَّعِظُ، ويَعلَمَ حقيقة ما تَدُلُّ عليه - ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: إِلا مَن يَرْجِعُ إلى توحيده، ويُقْبِلُ على (١) طاعتِه.

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. قال: مَن يُقْبِلُ إلى طاعةِ اللهِ.

وقولُه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ وللمؤمنين به: فاعْبُدوا الله، أَيُّها المؤمنون له، مُخْلِصِين له الطاعةَ، غيرَ مُشْرِكين به شيئًا مما دونَه، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: ولو كَرِه عبادتَكم إياه مخلصين له الطاعةَ - الكافرون المشرِكون في عبادتهم إياه الأوثانَ والأندادَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)

يقولُ تعالى ذكرُه: هو رفيعُ الدرجاتِ. ورُفِع قولُه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾. على الابْتِداءِ، ولو جاء نصبًا على الرَّدِّ على قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾، كان صوابًا. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾. يقولُ: ذو السَّريرِ المُحيطِ بما دونَه.

وقولُه: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. يقولُ: يُنْزِلُ الوَحْىَ مِن أمرِه على مَن يَشَاءُ مِن عبادِه.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرُّوحِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى به


(١) في ت ٢ ت: "إلى".