للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

على التوكيدِ، نحو قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. وقال غيره (١): ليس ذلك كذلك؛ لأن مع: ﴿مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم﴾ حرفًا ليس مع الثانيةِ. قال: فكأنه قال: من قبل التنزيل، من قبل المطر. فقد اختلفتا، وأما: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، وُكِّد بأجمعين؛ لأن "كلًّا"، يكونُ اسمًا ويكون توكيدا، وهو قوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾.

والقولُ عندى في قوله: ﴿من قَبْلِهِ﴾: على وجه التوكيد.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة أهلِ المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: (إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ). على التوحيد، بمعنى: فانظر يا محمد، إلى أثر الغيثِ الذي أصاب اللَّهُ به مَنْ أصاب من عبادِه، كيف يُحْيى ذلك الغيثُ الأرضَ من بعد موتها (٢). وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفةِ: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾. على الجِمَاعِ، بمعنى: فانظر إلى آثار الغيثِ الذي أصاب الله به مَنْ أصاب، كيف يُحيى الله الأرضَ بعد موتها (٣).

والصوابُ من القولِ في ذلك: أنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى؛ وذلك أنَّ الله إذا أحيا الأرضَ بغيث أنزله عليها، فإنَّ الغيثَ أحياها بإحياء الله إياها به، وإذا أحياها الغيثُ، فإن الله هو المحيى به، فبأيِّ القراءتين قرأ


(١) هو قطرب. المصدر السابق ٧/ ١٧٩.
(٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة ص ٥٠٨.
(٣) هي قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. المصدر السابق، الموضع السابق.