للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أنَّى ومِن أين آبَكَ (١) الطَّرَبُ … من حيمثُ لا صَبْوَة ولا رِيَبُ

فيُجَاءُ بـ "أنَّى" للمسألِة عن الوجهِ، وبـ "أين" للمسألةِ عن المكانِ، فكأنه قال: مِن أىِّ وجهٍ، ومن أىِّ موضعٍ راجَعك الطربُ؟

والذى يَدُلُّ على فسادِ قولِ مَن تأوَّلَ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: كيف شِئتم. أو تأوَّلَه بمعنى: حيثُ شِئتم. أو بمعنى: متى شئتم. أو بمعنى: أين شئتم - أن قائلًا لو قال لآخرَ: أنَّى تأتى أهلَك؟ لكان الجوابُ أن يقولَ: مِن قُبُلِها. أو: من دُبُرِها. كما أخبَرَ اللهُ تعالى ذكرُه عن مريمَ إذ سُئِلت: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. أنها قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وإذ كان ذلك هو الجوابَ، فمعلومٌ أن معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إنما هو: فائتوا حرثَكم من حيثُ شِئتم من وجوهِ المأتَى. وأن ما عدا ذلك من التأويلاتِ فليس للآيةِ بتأويلٍ.

وإذ كان ذلك هو الصحيحَ، فبيِّنٌ خطأُ قولِ مَن زعَم أن قولَه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. دليلٌ على إباحةِ إتيانِ النساءِ في الأدبارِ؛ لأن الدُّبُرَ لا مُحْتَرثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فائتوا الحَرْثَ من أىِّ وجُوهِه شِئتم، وأىُّ مُحْتَرَثٍ في الدبرِ فيقالَ: ائتِه من وجهِه؟!

وبيِّنٌ بما بيَّنَّا صحةُ معنى ما رُوِى عن جابرٍ وابنِ عباسٍ من أن هذه الآيةَ نزَلت فيما كانت اليهودُ تقولُه للمسلمين: إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبُرِها في قُبُلِها جاء الولدُ أحولَ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قدِّموا


(١) في م: "نابك".