للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كلامِ العربِ أصلُه الإفحاشُ في المنطقِ، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى (١)، ثم تستعْمِلُه في الكنايةِ عن الجماعِ. فإذ (٢) كالن ذلك كذلك، وكان أهلُ العلمِ مختلفِين في تأويلِه، وفي هل (٣) النهْيُ من اللَّهِ عن بعض معاني الرفَثِ، أم عن جميعِ معانيه؟ وجَب أن يكونَ على جميعِ معانيه؛ إذ لم يأتِ خبرٌ بخصوصِ الرفَثِ الذي هو بالمنطقِ عندَ النساءِ، من سائرِ معاني الرفَثِ يجِبُ التسليمُ له، إذ كان غيرَ جائزٍ نقْلُ حكمِ ظاهرِ آيةٍ إلى تأويلٍ باطنٍ إلا بحجةٍ ثابتةٍ.

فإن قال قائلٌ: فإن حكمَها من عمومِ ظاهرِها إلى الباطنِ من تأويلِها منقولٌ بإجماعٍ، وذلك أن الجميعَ لا خلافَ بينَهم في أن الرفثَ عند غيرِ النساءِ غيرُ محظورٍ على مُحْرِمٍ، فكان معلومًا بذلك أن الآيةَ معنيٌّ بها بعضُ الرفثِ دونَ بعضٍ، وإذا كان ذلك كذلك، وجَب ألا يَحرُمَ من معاني الرفثِ على المُحرِمِ شيءٌ، إلا ما أُجمِع على تحريمِه عليه، أو قامت بتحريمِه حجةٌ يجبُ التسليمُ لها؟

قيل: إن ما خُصَّ من الآيةِ فأُبِيح خارجٌ من التحريمِ، والحظرُ ثابتٌ لجميعِ ما لم تَخْصُصْه الحُجَّةُ من معنى الرفثِ بالآيةِ، كالذي كان عليه حكمُه لو لَمْ يُخَصَّ منه شيءٌ؛ لأنَّ ما خُصَّ من ذلك فأخرِج من عصومِه إنما لزِمَنا إخراجُ حكمِه من الحظرِ بأمرِ من لا يجوزُ خلافُ أمرِه، فكان حكمُ ما شمِله معنى الآيةِ - بعدَ الذي خُصَّ منها - على الحكمِ الذي كان يَلْزَمُ العبادَ فرضُه بها، لو لَمْ يُخْصَصْ منها شيءٌ؛ لأن العلةَ فيما لم يُخْصَصْ منها بعدَ الذي خُصَّ منها، نظيرُ العلةِ فيه قبل أن يُخَصَّ منها شيءٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.


(١) ينظر ما تقدم في ص ٢٣٧، ٢٣٨.
(٢) في م: "فإن".
(٣) في م: "هذا".