للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن أهلِ المدينةِ مُنافقون مَرَدُوا على النفاقِ، ومنهم آخرون ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، يقولُ: أقَرُّوا بذنوبِهم، ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾. يعنى جلّ ثناؤه بالعملِ الصالحِ الذي خَلَطوه بالعملِ السَّيِّئِ: اعتِرَافهم بذنوبِهم، وتوبتَهم منها، والآخرُ السَّيِّئُ هو تَخَلُّفُهم عن رسولِ اللهِ حينَ خَرَج محارِبًا (١)، وتَركُهم الجهادَ مع المسلمين.

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾. وإنما الكلامُ: خَلَطُوا عملًا صالحًا بآخرَ سَيِّئٍ؟ قيل: قد اختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فكان بعضُ نَحوييِّ البصرةِ يقولُ: قيل ذلك كذلك، وجائزٌ في العربيةِ أن يكونَ بآخرَ (٢)، كما تقولُ: استَوى الماءُ والخشبةُ. أي: بالخشبةِ، وخَلَطتُ الماءَ واللبنِ. [أي: باللبنِ. وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: خلَطتُ الماءَ واللبنَ] (٣). وأنكَر أن يكون نظيرَ قولِهم: استوَى الماءُ والخشبةَ. واعتلَّ في ذلك أن الفعلَ في الخلطِ عاملٌ في الأولِ والثانى، وجائزٌ تقديمُ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه، وأن تقديمَ الخشبةِ على الماءِ غيرُ جائزٍ في قولِهم: استوى الماءُ والخشبةُ. وكان ذلك عندَه (٤) دليلًا على مُخالفةِ ذلك الخلطَ.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى، أنه بمعنى قولِهم: خَلَطتُ


(١) في ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: "غازيا".
(٢) لعل هنا سقطا.
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٤) في م: "عندهم".