للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ (١)، عن أسامةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ مثلَه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال: خلَق اللَّهُ الخلقَ كلَّهم بقَدَرٍ، وخلَق لهم الخيرَ والشرَّ بقدرٍ، فخيرُ الخيرِ السعادةُ، وشرُّ الشرِّ الشقاءُ، وبئس الشرُّ الشقاءُ (٢).

واختَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نصَبَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ في لغةِ مَن قال: عبدَ اللَّهِ ضربتُه. قال: وهي في كلامِ العربِ كثيرٌ. قال: وقد رُفِعَت (كلُّ) في لغةِ مَن رفَع، ورُفِعَت على وجهٍ آخرَ. قال: (إِنَّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (٣). فجعَل "خلقناه" مِن صفةِ الشيءِ.

وقال غيرُه: إنما نصَب ﴿كُلَّ﴾ لأن قولَه: ﴿خَلَقْنَاهُ﴾. فعلٌ لقولِه: ﴿إِنَّا﴾. وهو أولى بالتقديمِ إليه من المفعولِ، فلذلك اخْتِير النصبُ، وليس قبلَ: "عبدَ اللَّهِ" في قولِك: عبدَ اللَّهِ ضربتُه. شيءٌ هو أولى بالفعلِ، وكذلك: إنا طعامَك أكَلْناه. الاختيارُ النصبُ؛ لأنك تُرِيدُ: إنا أكَلْنا طعامَك. الأكلُ أولى بـ "إنا" مِن الطعامِ. قال: وأما قولُ مَن قال: "خَلْقناه" وصفٌ للشيءِ فبعيدٌ؛ لأن المعنى: إنا خلَقْنا كلَّ شيءٍ بقدرٍ.

وهذا القولُ الثاني أولى بالصوابِ عندي مِن الأولِ؛ للعللِ التي ذكَرْناها لصاحبِها.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي


(١) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "حازم" وتقدم على الصواب في: ٢٦/ ١٧٢، ٢٧/ ٨٦.
(٢) أخرجه اللالكائي في السنة (٩٤٩) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٣٨ إلى ابن المنذر.
(٣) قرأ بالرفع أبو السمال، وهي قراءة شاذة. مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤٨.